كتب ابوسفيان محمد الكردفاني
لم تكن تعلم أن حياتها ستنقلب هكذا وأن كل شيء بها تغير وتحول، فدوام الحال من المحال، فقد كانت أجمل فتاة ، سارت بجمالها الركبان، جلست أمام المرآة ومن خلفها فتاة تزينها ، جاءت إليها خالتها صارخة بأن تستعجل فالعريس في عجلة من أمره، التفت ناحية خالتها وأمرتهما بالخروج وأن يتركاها لوحدها.
بمجرد خروجهما أندفع شلال هادر من الدموع الساخنة تبلل خديها اللذان كستهما التجاعيد ورسم عليهما الزمان اخاديد من حسرة وألم، لاتدري أهي دموع فرح بزواجها الذي انتظرته سنينا وظنت بأنه لن يحدث، أم هي دموع حزن على ضياع عمرها هباء منثورا ، نظرت إلي الصورة المعلقة خلفها في الجدار وهي شابة غضة ممتلئة حيوية وبهاء ، شعرها المنسدل على كتفيها كالليل ، عيونها الفاتنة التي كانت ترمى بنظراتها أعتى الرجال ، حاجباها المقرونة كالهلال ، اسنانها ناصعة البياض كما الثلج وابتسامتها التي تنفرج عن فم صغير كحبة الودع وشفتاها تقطر كشلال من عسل، تتذكر مشيتها في الطريق وهي تتمايل كعود البان بدلال وغنج، فيتمايل معها العشاق الذين يصطفون في طريقها كأنها ملكة متوجة ، تلتفت إلي أحدهم وتبتسم إليه فيصرع من فوره ويغمي عليه.
تستمع كل مرة إلي قصيدة جديدة من صديقتها صاغها شاعر قد بلغ به الوله مابلغ وهو يتمني أن تنظر إليه وتلقي عليه السلام ، كان طابور عشاقها طويلا كالقطار تماما ، ما أن ترد أحد خطابها حتى يأتي من بعده أخر ،كل الطبقات العليا في المجتمع والأسر المعروفة تتؤدد إليها وتطلبها ودائما كان الجميع يجد الصد والرفض، أطباء ، مهندسين، رجال أعمال، ساسة، أغنياء حد الترف، كلهم كانوا تحت أمرها ولكن كان أمرها عند خالتها التي تضع شروطا تعجيزية لن تنطبق على من تريد تزوجيها منه ألا في الأحلام، كانت خبيثة وشريرة خالتها تلك ، لم تدرك هي سبب رفضها لكل من طلبها ألا بعد أن تزوجت كل بنات خالتها ولم تعد خالتها تصر عليها في الرفض، بل كانت تحاول أن تقنعها بقبول أي شخص يتقدم لها فقد ولى العمر وهي الآن قاربت على الأربعين، رغم أنها مازالت تحتفظ بمسحة من الجمال والروعة ، لكن عينيها خف بريقها وتسلل الشيب إلي شعرها رويدا رويدا، ضحكتها الطفولية البريئة التي كان توصف كدواء للعشاق ضاعت مع الزمن ، هذه التجاعيد الخشنة في وجهها لن تزيلها مساحيق التجميل ، وشحوب روحها وإحساس زهو الشباب الذي تسرب من بين يديها كل ذلك جعلها توافق أن تتزوج رجلا قارب الستين وعنده من البنين من يقارب سنها .






المزيد
وجع مرئى :بقلم :سعاد الصادق
حين يتكلم الصمت: بقلم: سعاد الصادق
ضوء هادئ