مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الهارب والمطارد – فلسفة التعلّق والانسحاب بقلم الكاتب هاني الميهى

اسم الكتاب:

الهارب والمطارد – فلسفة التعلّق والانسحاب

بقلم الكاتب هاني الميهى

الفصل الأول:

حين يبدأ المطارد دون أن يدري

 

لا أحد يستيقظ في الصباح ليقول: سأكون المطارد اليوم.

الأمر يبدأ بخطوة صغيرة، بنظرة طويلة أكثر مما ينبغي، بابتسامة تُشعل في القلب شيئًا لم يكن في الحسبان.

ثم يتسلّل التعلّق كالماء في الشقوق، لا صوت له، ولا إعلان عن نواياه.

يبدأ المطارد عادةً من حيث انتهى الآخرون: من الصدق.

هو لا يسعى للانتصار، بل يسعى للفهم.

يُحبّ بنيةٍ صافية، ويُعطي بلا حساب، ويظنّ أن العطاء سيُعيد إليه ما فقده من دفءٍ قديم.

لكنه لا يعلم أن هذا العالم لا يُكافئ الطيبة، بل يستنزفها.

قد تظنّ، يا صديقي، أن المطارد ضعيف،

لكنه في الحقيقة الأكثر شجاعة، لأنه يُعرّي روحه أمام من لا يرى قيمتها.

هو لا يهرب من الشعور، بل يذهب إليه،

يدخل النار وهو يظنّ أن الدفء سيحتويه قبل أن يحترق.

المطارد لا يعرف أنه مطارد إلا حين يتعب.

حين يجد نفسه يكتب الرسائل ولا ردّ،

يفتح نوافذ الحوار فيجدها مغلقة،

يُبرر للآخر صمته، ويغفر دون طلب،

ثم يُبرر مرة أخرى حتى ينهكه الإنكار.

وهنا، تبدأ اللعبة في التحوّل من عاطفة إلى استنزاف.

الآخر — الهارب — لا يهرب من المطارد، بل من انعكاسه فيه.

يرى فيه كل ما يخاف أن يراه في نفسه: صدق، ضعف، احتياج، ومواجهة.

فيهرب كي لا يرى ذاته العارية.

أما المطارد، فيغرق في وهمٍ أن الصبر سيكفي،

وأن الحب سينتصر على المسافة،

ولا يدرك أن العطاء بلا توازن يتحول إلى عبوديةٍ عاطفية،

وأنّ أكثر العلاقات وجعًا تلك التي تبنيها على فكرة “ربما يتغيّر”.

في النهاية، المطارد لا يخسر الآخر فقط، بل يخسر نفسه أولًا.

يتحوّل إلى ظلّ يبحث عن ضوءٍ لم يكن يومًا له،

ويمشي في طرقٍ مليئةٍ بأسئلة لا إجابة لها.

ثم، في لحظة وعيٍ صامتة، يدرك أن المطاردة لم تكن له،

بل كانت هروبًا من خوفٍ أقدم — خوفٍ من الوحدة، من الفقد، من أن يُترك مرة أخرى.

وحين يدرك هذا، يبدأ التحوّل.

يتوقف الركض فجأة، كمن استيقظ من حلمٍ طويلٍ متعب.

ينظر خلفه، فيرى أنه كان يطارد سرابًا لا شخصًا.

وهنا، يتعلم أول دروس الحرية :

أن التعلّق ليس حبًا، وأن الحبّ لا يُطارَد، بل يُعاش.

 

#الهاربوالمطاردفلسفةالتعلقوالانسحاب

#هانى_الميهى