مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الهارب والمطارد – فلسفة التعلّق والانسحاب بقلم الكاتب هانى الميهى

الهارب والمطارد – فلسفة التعلّق والانسحاب بقلم الكاتب هانى الميهى

الفصل الحادي عشر: ما بعد الهروب – لحظة المواجهة مع الذات

 

🔹 الجزء الثالث

حين تجرؤ على النظر في مرآة روحك،

لن ترى فقط من ظلمك أو من جرحك،

بل سترى وجهك حين كنت مشاركًا في اللعبة،

تارةً بالسذاجة، وتارةً بالصمت، وتارةً بخوفك من الوحدة.

المطارد لم يكن دومًا بريئًا،

فهو الذي سمح للآخر أن يمتد أكثر مما يجب،

أن يعبر حدوده العاطفية ظنًّا منه أن التنازل شكلٌ من أشكال الحب.

أما الهارب، فكان يهرب لأن بقاءه كان سيُجبره على الاعتراف بضعفه،

والاعتراف بالاحتياج مؤلمٌ في زمنٍ يقدّس اللامبالاة.

ما بعد الهروب ليس سلامًا فوريًّا،

بل فوضى صامتة تعيد ترتيبك من الداخل.

فجأة، تتداعى الذكريات في رأسك كفيلمٍ قديمٍ لم يكتمل،

تتساءل: أين كنت؟

ولماذا استمرّيت كل هذا الوقت في طريقٍ كان واضح النهاية؟

لكن لا تندم على شيء.

فالخيبات ليست دائمًا لعنة،

أحيانًا تكون المعلم الأكثر صدقًا.

إنها لا تأتي لتُعاقبك، بل لتُريك ما لم تفهمه وأنت تركض.

هناك لحظة عجيبة،

حين يتوقف قلبك عن لوم الآخرين،

وتبدأ في محاسبة نفسك لا بقسوة، بل بفهم.

تدرك أن الغضب كان قناعًا للألم،

وأن التعلق لم يكن حبًّا خالصًا،

بل محاولة لإنقاذ ذاتك عبر وجود شخصٍ آخر.

تكتشف أنك لم تكن تحتاجه بقدر ما كنت تحتاج نفسك.

وهذا هو أول ملامح النضج:

أن تعود إلى نفسك لا لتسجنها، بل لتحتويها.

في النهاية، لا أحد يخرج من الهروب كما دخل.

كلّ هاربٍ يعود أكثر صمتًا،

وكل مطاردٍ يعود أكثر فهمًا.

أما المواجهة الحقيقية فليست بين الاثنين،

بل بين الإنسان وظلّه الذي كان يهرب منه.

إن أصعب مصالحةٍ في الوجود هي مصالحتك مع ماضيك،

لأنك فيها تحاكم نفسك وتغفر لها في الوقت نفسه.

 

#الهاربوالمطاردفلسفةالتعلقوالانسحاب

#هانى_الميهى