📘 اسم الكتاب: الهارب والمطارد – فلسفة التعلّق والانسحاب
✍️ اسم الكاتب: هانى الميهى
الفصل السابع: حين يتعب المطارد ويقرّر الرحيل
🔹 الجزء الثاني
حين يتعب المطارد، يبدأ في مراجعة كل التفاصيل الصغيرة التي كانت تمرّ عليه دون انتباه.
يتذكّر الرسائل التي كتبها ولم تصل، المكالمات التي انتظرها ولم تأتِ، الوعود التي ذابت في الهواء، والنظرات التي لم تكن سوى محاولات لطمأنةٍ زائفة.
حين يتعب المطارد، لا يبحث عن تبرير، بل عن معنى.
يريد أن يفهم كيف تحوّل حبه إلى سباقٍ بلا نهاية، وكيف صار العطاء واجبًا بينما الصمت في الجهة الأخرى فضيلة.
لقد خاض معارك كثيرة باسم الوفاء،
لكن لم يخبره أحد أن الوفاء حين يُقدَّم لمن لا يقدّره يتحوّل إلى قيدٍ ذهبي،
لامع من الخارج، خانق من الداخل.
ذلك المطارد كان يظنّ أنه الأقوى لأنه يملك الشجاعة على البقاء،
لكن الحكاية كانت تخفي وجهًا آخر:
القوة ليست في البقاء رغم الألم، بل في الجرأة على المغادرة حين يُصبح البقاء نوعًا من الانتحار الهادئ.
في تلك اللحظة، يبدأ في فهم أن الحب الناضج لا يُثبت نفسه بالركض،
بل بالهدوء، بالثقة، وبالقدرة على التراجع حين يُصبح الطريق عبثيًا.
يتوقف ليس لأنه فقد الإحساس،
بل لأنه أدرك أن الإحساس وحده لا يكفي ليُنقذ علاقة تُغرقه في العجز.
يبدأ المطارد بالتخفّف من التفاصيل التي كانت تُثقله.
يتوقّف عن تتبّع آخر ظهورٍ،
عن تفسير كل كلمة،
وعن اختراع أعذارٍ لأشخاصٍ لم يعودوا يهمّهم أن يُفهِموه.
إنه يتعلّم الصمت من جديد،
لكن هذه المرّة ليس صمت الخيبة،
بل صمت النضج.
ذلك الصمت الذي لا يحمل استسلامًا،
بل يحمل يقينًا أن من أراد البقاء سيبقى،
ومن أراد الرحيل لن تمنعه كل كلمات العالم من الذهاب.
وحين يتعب المطارد ويقرر أن يختار نفسه،
تبدأ الحياة في إعادة موازينها.
يرى أنه لم يخسر أحدًا،
بل تخلّص من وهمٍ كان يرتديه على هيئة أمل.
ويكتشف أن أصعب أنواع الرحيل،
ذلك الذي لا تسبقه مواجهة،
ولا تلحقه دموع،
بل يمرّ كنسمةٍ خفيفة تهمس:
«لقد اكتفيت، وسأرحل بسلام».
وهنا، يصبح الرحيل شفاءً لا هزيمة.
يصبح بدايةً جديدة لا نهايةً باهتة.
#الهاربوالمطاردفلسفةالتعلقوالانسحاب
#هانى_الميهى






المزيد
بين الكتمان والطمأنينة بقلم ابن الصعيد الهواري
بين الخوف والتعوّد… يولد الاتزان بقلم ابن الصعيد الهواري
حين تتكئ النفس على نفسها… وتكتشف وجوه الطريق بقلم ابن الصعيد الهواري