كتبت: إنجي أحمد
القريب منك بعيد والبعيد عنك قريب
في إحدى الأيام دُعيتُ لحفل زفاف لأحد الأقارب، تهلل وجهي فرحًا فقد حان اللقاء، أسرعت وقلبي يسبقني بشوق اللقاء، ورؤية من طال علينا وعليهم الزمن ولم نراهم ولا نلقاهم ولو صدفة.
نسمع أخبارهم بمواقع التواصل الاجتماعي، تلك المواقع التي انهالت عليها الاتهامات، فأشارت الأصابع اتهامًا بأنها سببًا في تفرقة الأحباب الأقارب منهم والأصدقاء، ومنها سببًا في تُحَجِر القلوب وثلج المشاعر، ولكن على ما يبدو في بعض الأحيان وسيلة للاطمئنان على الأحبة القاصي منهم والداني.
أعلم أني سأصدم بوابل من النقد والاعتراضات، ولكن الأمر بالفعل على وجه الحقيقة لمن يشبهونني، من يفكر ويشتاق ويحلم ويظل كما هو لا يحرك ساكنًا، لاأدري بحال أمري، أهو كسل أم دوامة حياة تأخذنا للا نهاية أم بعاد مقصود حتى لا ننضح بما في داخلنا من مشاعر متخبطة نخشى عليهم من نقلها إليهم؟
أُجنى الآن ثمرة البعاد، ففي تلك المناسبة التي جمعت بيننا فجمعت الأقارب والأصدقاء، أجد كل زائر شارعًا بالدخول مشتت النظر يبحث عن ضالته حتى تقع عيناه على من جاء لأجله، لمن جاء؟ لا يهم فالأهم أنه سنلتقي بمن أراد لقياهم وتوّقت الروح لرؤيتهم، تتشابك الأيادي مصافحةً بودٍ ووداد، وتتعانق الأعناق وتتلاقى الأضلع بالأحضان الحارة المشتاقة، ثم الجلوس بجوار بعضهم البعض لتجاذب أطراف الحديث، وتبادل الضحكات والهمسات البريئة وغيرها، فالأرواح تتلاقى مع من يضاهيها.
أمامي صاحبة الفرحة والجمع السعيد فرحة بأصدقائها، يتحلقن حولها ويتبادلن الضحكات والهمسات، تلوح إليهم بنظراتها فيدركن مقصدها، يشعرن بما تشعر به ويظهر بملامح وجهها، وكأنه صفحة كتاب مفتوح لهن، يتسابقن فيما بينهن حتى تكتمل فرحة رفيقتهن.
أجلس بعيدًا فأنا القريبة صلةً البعيدة مكانةً، أتأمل فكيف وصل بنا الحال هكذا؟! شعور لم أستطع إنكاره، أشعر بالغيرة منهن إنها قريبتي إنها مني إنها أنا، ولكن من الواضح أن تلك الصلة لا تكفى ولا تصلح من الأمر شيئًا، إنني أحق بالقرب منها، وأكون أنا سببًا في ابتسامتها وسعادتها، ولكن شعوري بالغربة يقيدني، إحساسي أن تواجدي إذا تواجدت بينهن سيكون تطفلاً، لا أرغب كوني روحًا ثقيلة على إحداهن أو على أحد من خلقه.
تذكرت مواقف مشابهة في حياتنا جميعًا، فمنا من يكن له أخًا أو أختًا أقرب إليه من والديه، ومنا من يكن جاره الذي يسكن بجواره أقرب إليه من أقرب الأقربين، ومنا من يكن معلمه أو معلمته أقرب إليه من والديه أو بالأحرى أحدهما، يالك من دنيا مليئة بالغرائب والغرباء! فيك يعيشون بكدٍ ومشقة، تعبت أرواحهم منك وتاهت عقولهم من عجائبك، والأكثر غرابة قلوبنا التي تحنو على البعيد ومن يبعد، وتقسو على كل قريب ومن يتقرب إلينا.
تلمع عيناي تأملًا للمشهد، تمتد يدي لكأس الماء أمامي لعله يروي ظمئي من بعد عناء التأمل والتفكر، أبتسم رأفة على حالي وحال مَن حولي مِن أمثالي، بنظرة تحتويهم جميعًا بين أضلعي، أُحلق بهم لسمائي فرحة بوجودهم بحياتي، أتتوق لرؤيتهم دومًا، وسماع أصواتهم بحنان يضاهي ما بداخلي وزيادة، فنفسي بحاجة إليهم، وبينما أرتشف رشفةً من كأسي إذ بالمطربة الراحلة نجاة الصغير بأغينتها الرومانسية البائسة ولحنها الذي أضاف للأغنية أمل منتظر، وموسيقاها الذي تبادر بذهني فتردد شفتاي الأغنية بهمس:
القريب منك بعيد والبعيد عنك قريب.






المزيد
يوم النجاح
فتاة الأقحوان
عبر الزمن المجهول