مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

القارة السابعة : بقلم: سعاد الصادق

القارة السابعة :
بقلم: سعاد الصادق

 

مقدمة

في كل زاوية من هذا العالم طفلٌ ينادي بصوته الخافت، يلوّح بيده كي ينتبه له أحد، لكن ضجيج الحياة كثيرًا ما يغطي على وجعه. وبعض الأطفال لا يملكون ترف البكاء، فيخبّئون حزنهم في جيوب صغيرة، ويمضون كأنهم كبار. هذه الحكاية ليست مجرد قصة… إنها نافذة صغيرة على قلب طفلة ضاعت طفولتها، لكنها لم تفقد حلمها.

(القصة )

كانت نداء طفلة صغيرة، تشبه نسمة هواء تائهة بين جدران المدينة. لم تعرف من الحياة سوى صخبٍ يعلو، ووجوهٍ تمرّ سريعًا كأنها لا تراها.
كبرت قبل أوانها… كبرت لأن أحدًا لم يقف ليستمع إلى خوفها، ولا أحد سألها لماذا تنام كل ليلة ودمعة تتدلّى من أطراف رمشها.

كانت تتجوّل وحدها بين الأزقّة، تحمل حقيبة ممزقة ودفترًا خاليًا… فالأحلام عندها تُكتب لكنها لا تُولد.

وفي إحدى الليالي، سمعت همسًا غريبًا من امرأة عجوز تبيع الخرائط القديمة. قالت لها:
“خارج سياج القارات الست… هناك قارة سابعة. لا قوانين فيها إلا السلام… كل شيء فيها عادل، وكل شيء فيها يزهر، حتى أنها تملك آلة للزمان، تعيد لمن يشاء ما سُرق منه.!

تسارعت أنفاس نداء ، وشعرت للمرة الأولى أن العالم قد يخبّئ لها بابًا لم يُغلق بعد.

في الصباح التالي، حملت حقيبتها بخفة من لا يملك شيئًا يخسره، وسارت نحو آخر السور… هناك حيث تتدلّى خيوط الضوء وتبدأ الحكايات التي لا يصدقها الكبار.

وحين وصلت إلى بوابة القارة السابعة، وجدت أرضًا تلمع بلون الطمأنينة، وشجرًا يحنو على من يلمسه، وسماءً خالية من الفقد.

تقدّمت نحو آلة الزمان… كانت تشبه ساعة رملية عملاقة، تدور مع نبض القلب لا مع عقارب الوقت.

وقفَت أمامها، فظهر ضوء يسألها:
“ماذا تتمنّين يا صغيرة؟”

أغمضت نداء عينيها، وقالت بأصدق ما نطق به قلب طفل موجوع:
“لا أريد أن أعود إلى طفولتي… أريد طفولة جديدة. طفولة أتعلم فيها معنى الضحك، وأعرف فيها يدًا تمسك بيدي لا تهشّني بعيدًا… أريد أن أعيش يومًا واحدًا فقط بلا خوف.”

اهتزّت آلة الزمان، ثم انهمر ضوء دافئ على كتفيها…
وفي لحظة، أصبح عمرها كما هو، لكنها شعرت بأول يوم حقيقي في حياتها… يوم بلا صراخ، بلا ألم، بلا جوع… أول يوم تُعامل فيه كطفلة تستحق حضنًا قبل أن تستحق أي شيء آخر.

وعندما جلست على ضفة نهر القارة السابعة، كتبت في دفترها:
“هنا… بدأت الحياة. ليس لأنني عدت صغيرة، بل لأنهم أخيرًا رأوني…..

أحيانا.
يحتاج الطفل إلى أعوام كثيرة ليكبر… يكفيه يوم واحد بلا حب كي يصبح عجوزًا في داخله.( ونداء )كانت واحدة من هؤلاء، حتى وجدت قارتها السابعة. ربما القارة السابعة ليست مكانًا بعيدًا… ربما هي لحظة دفء، كلمة صادقة، حضن يتأخر لكنه يصل. وكل من ضاعت طفولته يستحق أن يجد قارة تشبه قلبه يومًا ما….؟!