الفصل التاسع: فاتني كل شيء
الكاتب هانى الميهى
لم تكن فكرة عابرة…
بل كانت إحساسًا كاملًا.
لم أقلها بصوت عالٍ،
لكنني شعرت بها في كل شيء:
“فاتني كل شيء.”
لم تكن مرتبطة بعمر،
ولا بحدث محدد،
ولا بفرصة ضائعة واحدة.
كانت أعمق من ذلك.
كانت شعورًا
أنني تأخرت عن حياتي نفسها.
أن هناك لحظة ما،
كان يجب أن أكون فيها مختلفًا،
أن أختار بشكل آخر،
أن أفهم أسرع…
لكنني لم أفعل.
وهذا الإحساس…
كان ثقيلًا.
لأنه لا يمنحك فرصة واضحة للتصحيح،
ولا يحدد لك ما الذي فات تحديدًا.
فقط…
يتركك مع شعور عام بالخسارة.
بدأت أنظر إلى حياتي
بعين مختلفة.
كل قرار قديم،
كل فرصة مرت،
كل طريق اخترته…
كنت أراه الآن
وكأنه خطأ.
وهذا النوع من الرؤية…
ظالم.
لأنه يستخدم وعي الحاضر
ليحاكم جهل الماضي.
لكنني لم أكن أرى ذلك وقتها.
كنت أرى فقط
أنني تأخرت.
تأخرت في الفهم،
في الاختيار،
في معرفة نفسي،
في كل شيء.
وكلما فكرت أكثر،
زاد الإحساس سوءًا.
بدأت أقارن نفسي…
ليس بالآخرين فقط،
بل بنسخة خيالية مني.
نسخة كان يجب أن تكون موجودة،
نسخة لم تخطئ،
لم تتأخر،
لم تضيع وقتها.
وهذه المقارنة…
كانت مستحيلة.
لأنها ليست مع شخص حقيقي،
بل مع وهم.
لكن رغم ذلك،
كنت أصدقها.
وأشعر أنني خسرت أمامها.
في تلك المرحلة،
لم أكن أرى ما لديّ،
بل ما “كان يجب” أن يكون لديّ.
وهذا…
كان كفيلًا بأن يمحو أي إحساس بالرضا.
حتى الأشياء الجيدة،
لم تعد تعني لي شيئًا.
لأنها جاءت…
“متأخرة”.
وهنا،
تحول التأخر
من مجرد فكرة…
إلى حكم.
حكم على نفسي،
على حياتي،
على كل ما مر.
“تأخرت… إذن خسرت.”
معادلة قاسية،
لكنها كانت منطقية في رأسي.
كنت أشعر أن كل بداية الآن
لا قيمة لها.
لأنها لم تأتِ في “وقتها الصحيح”.
لكن ما هو الوقت الصحيح؟
لم أكن أعرف.
فقط…
كنت أشعر أنني تجاوزته.
وهذا الإحساس،
يقتل أي رغبة في المحاولة.
لأنك حين تظن أن كل شيء فات،
لن ترى سببًا للبدء.
وهكذا،
لم أعد أركض…
لكنني أيضًا لم أتحرك.
كنت عالقًا.
لا في الماضي،
ولا في الحاضر.
في مساحة بين الاثنين…
مليئة بالندم.
الندم على أشياء فعلتها،
وأشياء لم أفعلها،
وأشياء لم أكن واعيًا بها أصلًا.
وهذا النوع من الندم…
لا يُعالج بسهولة.
لأنه لا يتعلق بقرار واحد،
بل بشعور كامل
أنك لم تكن حاضرًا في حياتك.
وفي لحظة صدق قاسية،
سألت نفسي:
لو بدأت الآن…
هل لذلك معنى؟
وكان الرد داخليًا:
“بعد ماذا؟”
سؤال بسيط…
لكنه أغلق كل الأبواب.
لأنه يحمل افتراضًا خفيًا:
أن هناك وقتًا مناسبًا…
وقد انتهى.
وهذا الافتراض،
كان هو المشكلة.
لكني لم أره وقتها.
كنت فقط أشعر بالثقل،
بأنني متأخر،
بأنني فقدت اللحظة.
ولم أكن أعلم…
أن اللحظة لم تكن شيئًا واحدًا،
ولا فرصة واحدة.
بل كانت مستمرة…
لكنني لم أتعلم كيف أراها.
في تلك المرحلة،
لم أكن أحتاج حلًا،
ولا نصيحة.
كنت فقط…
غارقًا في شعور واحد:
أن كل شيء
قد فات.
لكن الحقيقة،
التي لم أكن مستعدًا لها بعد…
أن ما فات
لم يكن “الوقت”.
بل كان…
الوعي.
وهذا،
يمكن أن يأتي…
في أي لحظة.
رسالة الفصل:
الإحساس بأن كل شيء فات…
لا يعني أنك تأخرت في الزمن،
بل أنك بدأت ترى… متأخرًا.
تمهيد الفصل القادم:
ورغم هذا الإحساس الثقيل…
حاولت أن أتمسك بشيء أخير،
محاولة أخيرة…
لكن هذه المرة،
كانت مختلفة تمامًا.






المزيد
ما يشبهك في قلبي بقلم الكاتب هانى الميهى
الجميعُ ثائر بقلم فاطمة فتح الرحمن أحمد
أرض الفيروز بقلم عبير عبد المجيد الخبيري