مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الغيور والحاسد والحاقد حين تنقلب المقارنة من وعيٍ إلى سمّ

بقلم/ يحيى القطب 

في الفيلم المرموق الناصر صلاح الدين، وحين التقى القائد بقياداته الثلاث، وصفهم في فخر بالصّارم، والباسم، والحازم. كانت تلك الألقاب تعبيرًا عن صفات نبيلة: القوة المنضبطة، والبِشر الحكيم، والحزم العادل. غير أن المفارقة المؤلمة أن معاني كثيرة من هذا القبيل انقلبت في زماننا من دلالاتها السوية إلى ظلالها المعتمة، فتحولت الصرامة إلى غِلظة، والحزم إلى تسلط، والاعتزاز إلى غيرة، ثم إلى حسد، ثم إلى حقد.
المقارنة سلوك إنساني قديم، لا ينشأ من فراغ، فالإنسان بطبعه لا يرى نفسه إلا من خلال الآخر، يزن موقعه، ويقيس أثره، ويختبر قيمته في العيون المحيطة به. غير أن هذه المقارنة، حين تخرج عن إطارها الطبيعي، تتحول من أداة وعي إلى عبء نفسي ثقيل، وتغدو مدخلًا لانفعالات معقدة تبدأ بالغيرة، وقد تنتهي بالحسد أو الحقد، بحسب ما يختزنه الفرد في داخله من سلام أو اضطراب.
في صورتها السوية، تكون المقارنة محايدة وبنّاءة، يلاحظ فيها الإنسان الفارق بينه وبين غيره دون شعور بالتهديد أو النقص. هي مقارنة تُنتج الفضول لا الغضب، وتدفع إلى السؤال لا إلى الضيق. في هذه المرحلة لا تتبدل ملامح الوجه، ولا تتغير نبرة الصوت، لأن الذات لا تشعر بأن صورتها مهددة أو قيمتها منقوصة.
لكن حين يشعر الإنسان بأن مكانته أو تقديره أو حضوره بات مهددًا، تبدأ الغيرة في الظهور. الغيرة ليست كراهية، بل خوف مكتوم من فقدان الاعتراف أو الضوء أو التفوق الرمزي. تظهر الغيرة في سلوكيات تبدو بسيطة لكنها دالة، كالمقاطعة المفاجئة، أو محاولة تغيير الموضوع عند بروز تفوق الآخر، أو السعي إلى لفت الانتباه بوسائل جانبية. جسديًا، يمكن ملاحظة توتر في عضلات الوجه، وتصلب في الفك، واضطراب في حركة اليدين، ونظرات جانبية سريعة تعكس حالة عدم ارتياح داخلي.
إذا استمرت الغيرة دون وعي أو معالجة، فإنها تنزلق إلى الحسد. في الحسد لا يعود الآخر مجرد مصدر تهديد، بل يتحول إلى مرآة قاسية تكشف نقصًا داخليًا عميقًا. هنا لا يتمنى الإنسان أن يصل إلى ما لدى غيره، بل يتمنى زوال النعمة عنه. يتجلى الحسد في البرود بعد الود، وفي الانسحاب المتعمد من لحظات الفرح، وفي التقليل من الإنجازات أو الصمت المحمّل بالمعاني. أما جسديًا، فيظهر الحسد في امتقاع الوجه، وتغير لونه، وضيق التنفس، وملامح جامدة تخلو من العفوية.
أما الحقد فهو المرحلة الأخطر، لأنه لا يُعد انفعالًا عابرًا، بل حالة مستقرة ونمط تفكير. الحاقد لا يكتفي بتمني زوال النعمة، بل يسعى إلى تشويه صاحبها أو إسقاطه أو إيذائه معنويًا. يظهر الحقد في النميمة المتكررة، ونقل الكلام، وتشويه السمعة في الغياب، والفرح الخفي بأي تعثر يصيب الآخر. جسديًا، يمكن تمييز الحاقد من نظرة عدائية ثابتة، وابتسامة باردة لا تنسجم مع السياق، وتصلب دائم في الملامح عند ذكر اسم الشخص المكروه.
تتصاعد هذه الحالات غالبًا حين يعيش الإنسان فجوة بين ما يملكه ماديًا وما يفتقده نفسيًا. فغياب المعنى، أو الشعور بالقيمة، أو الاحترام الحقيقي، يدفع النفس إلى البحث عن تعويض، وأسهل التعويضات هو إنكار قيمة الآخر أو الطعن فيها. لذلك، قد يغار أو يحسد أو يحقد من يملك أكثر، لا لأن غيره أفضل ماديًا، بل لأنه أكثر سلامًا، أو قبولًا، أو أثرًا.
في النهاية، ليست المقارنة هي الخطر الحقيقي، بل فقدان السلام مع الذات. فالإنسان الآمن بقيمته لا تضره إنجازات غيره، ولا تهدده أضواء الآخرين، لأنه يدرك أن التميز ليس قالبًا واحدًا، ولا مسارًا متطابقًا للجميع. فكل إنسان مهيأ لجزئية بعينها، يبدع فيها ويُثمر، ومواهب البشر متباينة كما تتباين طبائعهم، وأرزاقهم مقسومة بعلمٍ وحكمةٍ من ربّ العباد، لا عبث فيها ولا ظلم. أما من كان جرحه داخليًا، فإن كل تفوق خارجي يتحول في عينيه إلى إدانة صامتة، لا لأنه أقل، بل لأنه انشغل بالمقارنة وترك مساحته الخاصة. ولو أن الإنسان التفت إلى جزئيته، واشتغل بما أُعطي، وأسقط الغيرة عن كاهله، لتحولت طاقته من الاحتراق الداخلي إلى البناء، وكان ذلك خيرًا له في دنياه وطمأنينته.