بقلم إيمان يوسف أحمد
في زماننا الحالي تغيّرت مفاهيم كثيرة كانت يومًا ما خطوطًا حمراء لا يجوز تجاوزها، وعلى رأسها مفهوم العيب. ما كان يُستحى منه قديمًا، أصبح اليوم يُعرض على الملأ بلا خجل، بل ويدافع عنه البعض تحت مسمى الحرية والانفتاح. فأصبحنا نعيش في مجتمع يتساءل فيه الناس: هل ما زال للعيب وجود، أم أنه اندثر مع تغيّر الزمن؟
كان العيب في الماضي قيمة أخلاقية راسخة، تحكم تصرفات الأفراد وتضبط سلوكهم دون حاجة إلى قوانين صارمة. كان الإنسان يراقب نفسه قبل أن يراقبه الآخرون، خوفًا من العيب قبل الخوف من العقاب. أما اليوم، فقد ضعفت هذه القيمة، وحلّ محلها التبرير والتطبيع مع الخطأ، حتى بات الخطأ عادة، والعيب وجهة نظر.
وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دورًا كبيرًا في هذا التغيّر؛ حيث أصبحت الخصوصيات تُنشر، والتجاوزات تُبرَّر، والسلوكيات الخاطئة تحصد الإعجابات والمشاهدات. ومع تكرار المشاهد، يفقد الناس إحساسهم بالرفض، ويتحول ما كان مرفوضًا إلى أمر عادي، بل ومطلوب أحيانًا.
الأخطر من ذلك أن غياب مفهوم العيب أثّر على الأجيال الجديدة، فكبر الأبناء في بيئة لا تضع حدودًا واضحة بين الصواب والخطأ، ولا بين الحرية والانفلات. ومع ضعف دور الأسرة وتراجع القدوة، أصبح الطفل يتعلم من الشاشات أكثر مما يتعلم من الواقع.
ومع كل هذا التغيّر، يبقى السؤال: هل العيب فعلاً تخلّف أم أنه قيمة لا غنى عنها؟ الحقيقة أن العيب ليس عائقًا للتقدم، بل هو ضمير المجتمع الحي، الذي يحفظ كرامته وتماسكه. فالأمم لا تنهض بطمس قيمها، بل بحمايتها وتطويرها بما يتناسب مع الزمن دون التفريط في جوهرها.
إن إعادة الاعتبار لمفهوم العيب مسؤولية جماعية تبدأ من الفرد، مرورًا بالأسرة، وصولًا إلى المجتمع كله، حتى لا يأتي يوم نصحو فيه فنكتشف أن كل شيء أصبح مباحًا، وأن ما فقدناه لم يكن مجرد كلمة، بل أخلاق كاملة.






المزيد
فضائل العشر الأوائل من ذي الحجة وعيد الأضحى من منظور علم النفس: الأثر على الفرد والمجتمع
وجهك الآخر على الشاشة: كيف غيّرت وسائل التواصل مفهوم الذات؟
علامات خفية تقول إنك تحت ضغط نفسي