مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

العودة إلى النور

Img 20241204 Wa0051

 

كـ مـنَـارِ أحـمَـد ‘عاشقة الظلام’

 

في صباح رمادي هادئ، جلست أمام نافذتي الصغيرة أراقب قطرات المطر وهي تنساب على الزجاج كأنها تعزف سيمفونية حزينة، كانت هذه اللحظة هي التي أسمع فيها ضجيج حياتي، كام أنا بعيدة عن الله، شعرت فجأة بثقل لا يوصف، وكأن الغيوم التي في السماء تسكن داخلي تمنعني من رؤية النور.

لقد مرت سنوات وأنا أعيش بعيدةً عن الصلاة، بعيدةً عن القرآن، غارقة في دوامة المذاكرة والقلق والمشاغل، كنت أقول دائمًا: “سأبدأ غدًا.” 

لكن الأيام مرت، وكل يوم يجر خلفه آخر حتى أصبح الغد سرابًا لا أصل إليه، في تلك اللحظة عندما اختلط صوت المطر بدقات قلبي المضطرب، تذكرت جملة كانت أمي ترددها دائمًا:

“يا ابنتي، راحة القلب في قرب الله.”

لكنني كنت دائمًا أستهين بكلماتها، وأقول إنني مشغولة بالحياة والمذاكرة، نهضت من مكاني وكأن شيئًا داخلي يدفعني، توجهت نحو رف قديم في الزاوية، وأخرجت منه مصحفًا غطاه الغبار عندما لمسته شعرت بقشعريرة تسري في جسدي، كأنما يوقظني من سبات طويل، فتحت المصحف على صفحة عشوائية، فوقعت عيناي على قوله تعالى:

“ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكًا ونحشره يوم القيامة أعمى.”

تجمّدت في مكاني شعرت وكأن الآية تخاطبني أنا تحديدًا لقد كنت أعاني الضيق، وها هو السبب واضح أمامي تركت نفسي بعيدةً عن ذكر الله؛ فكان جزاء ذلك هذه الحياة الخالية من السلام النفسي.

في تلك اللحظة، قررت أن أبدأ توضيت لأول مرة منذ زمن طويل، ووقفت بين يدي الله شعرت بثقل يغادر صدري مع أول سجدة، كأنني كنت أحمل الجبال على أكتافي وأسقطتها جميعًا، لم تكن العودة إلى الله سهلة، لكنها كانت تستحق، بدأت أخصص وقتًا للقرآن يوميًا، وصرت أصلي بانتظام، شيئًا فشيئًا بدأت أرى الحياة بشكل مختلف وأنا قريبة من الله حتى المطر الرمادي الذي كنت أراه حزينًا، صار يبدو لي نعمة تغسل الأرض وتجدد الحياة وتجدد روحي من جديد،

العودة إلى الله لم تكن مجرد لحظة واحدة، بل رحلة طويلة وصعبة لكنني تعلمت أن كل خطوة صغيرة نحو الله، تعني خطوتين منه نحوي، وكل سجدة تحمل في طياتها سلامًا لا يمكن وصفه، أدركت أن البعد عن الله كان سبب تعاستي، وأن القرب منه هو ملاذي الوحيد، ومنذ ذلك الحين لم أدع الغيوم الرمادية تسكن روحي مجددًا، لأن نور الإيمان كان كافيًا ليبددها، فالقرب إلى الله هو العلاج من كل حزنٍ يكمن داخل الشخص.