مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

العدل

كتبت: آية الهضيبي

 

رُبما نعيشُ أعمارًا ونبحث عن ماهية العدل ونظل نتحسسه في كل الأفعال والأحداث وحتى في ردات الفعل، والكثير عانوا ويُعانون في حياتهم من الكلمة المُضادة له وهي ” الظُلم”، والبعض يأخذ حقه إذا لم تنل مظلمته الاهتمام الكافي بالقوة، والبعض الآخر رُبما يُسامح في حقه والظُلم الذي وقع به، وفي النهاية “عند الله تلتقي الخصوم” والكل سيرفع مظلمته للحاكم العدل الذي لا يظلم عنده أحدًا.

ويأتي السؤال الذي قليلًا ما يخطر ببال البعض “هل أنت عادل مع نفسك؟”

العدل كلمة صغيرة لكن معناها عظيم، ومفهوم العدل يعني: القصد في الأمور ووضعها في ميزانٍ صحيح وإتيان كلّ ذي حقٍ حقه، والعدل ضد الجور والظلم، وهو منح الحقوق لأهلها وافية كاملة دون أيّ نقصان أو زيادة، وعدم التجنّي على الآخرين واستقامة القضاء، والعدل مشتق من أسماء الله الحسنى، فالله هو العادل الذي لا يُظلم عنده أحدًا، لذلك يجب أن يكون الإنسان عادلًا في جميع شؤون حياته، وألّا يتجنى على أحد أو يأخذ حق أحد، وألّا يتسبب في وقوع الظلم على الآخرين مهما كانت مكانتهم، فالبعض يستهين الظلم للضعفاء والمساكين ولا يأبه به، ويتعامل بالعدل مع أصحاب الجاه والمال.

مفهوم العدل مفهوم واسع يدخل فيه الكثير من الأمور التي يجب أن يزنها الإنسان قبل أن يحكم فيها، ولهذا فإنّ وجوده مهم جدًا حتى تستقيم أمور الحياة، وحتى لا يتعرض الآخرون للجور أو الإجراءات التعسفية التي تجعل منهم أشخاصًا مقهورين ومظلومين، ولكن رغم كلّ شيء فإنّ العدل المطلق موجودٌ فقط في الميزان الإلهي يوم القيامة، فالله تعالى هو العادل بين عباده ويحاسبهم بالقسط والميزان، ولا يظلم عند أحدًا، ويقول تعالى في محكم التنزيل: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا}.[١]

 

صور العدل للعدل صور كثيرة، وأهمّ هذه الصور تتجلى في العدالة الإلهية في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا تدور الأيام والأحداث على العباد بصورة عادلة جدًا، حيث يأخذ كلّ إنسانٍ جزاء ما قدّم، والظالم قد يُعجل الله عقابه في الدنيا فتتجلّى صورة العدل الإلهية، ولهذا فإنّ كل ساقٍ سيشرب من نفس الكأس الذي سقى به الناس، ومن صوره التي أمر الله بها أن يكون العدل في القضاء والفصل في الخصومات بين الناس، ولهذا يجب أن يكون القضاء عادلًا وموثوقًا وليس به أيّ خلل أو زلل، وأن يأخذ كل إنسان حقه بشكل كامل دون أن يأخذ شيئًا زائدًا أو ناقصًا، وهذا من أكثر ما شدد عليه الإسلام. من صور العدل الكثيرة أن يُعامل الحاكم المواطنين بنفس الطريقة، وأن يأخذ كل شخص حقه الكامل في الرعاية والتعليم والصحة والتوظيف، وألّا يُسمح بتعدّي موظف على حق موظف آخر أو أن يأخذ مكانه ووظيفته، كما يُعامل الناس بحسب ما يقدمونه من خدمات، ولا يُسمح لهم أبدًا بأن يسلبوا حق غيرهم أو يتجنوا على الآخرين ويسرقوا تعبهم وجهدهم، ومن صوره أيضًا نسبة الأفعال لمن يفعلها سواء كانت أفعال صحيحة أم خاطئة، وينطبق هذا على الأقوال أيضًا، وفي هذا منعٌ للظلم وفرضٌ لسيطرة الحق والعدل، وإعلاء لكلمة الحق التي يجب أن تسود مهما كانت الأسباب والظروف والأحوال. من العدل أن يأخذ المجرمون العقوبة الرادعة جزاء ما عملوا، ومن صوره أيضًا أن يُعامل الرجل زوجاته بنفس الطريقة وأن يعدل بينهنّ في حال كان متزوجًا من أكثر من واحدة، كما يفترض أن يُعامل الأب أبناءه وبناته بالعدل والرحمة وبالتساوي، وألّا يُعطي أحدهم شيئًا ويستثني الآخر ففي هذا ظلم كبير، أما صور العدل عند المدير فتكون بمعاملة جميع الموظفين بنفس الدرجة، وعدم المحاباة والتمييز إلّا بحسب الكفاءة والخبرة، أما التمييز الذي يكون ظالمًا وغير مستند على أيّ أسس فهو باطل وليس من العدل في شيء.

وللعدل أثر عظيم على الفرد والمجتمع،

أنت تملك ميزان حياتك وتراه من منظورك الخاص ولديك مبادئ وتعيش داخل مُجتمع ينعكس كل ذلك عليه مع تعاملاتك فَأقم الوزن بأفعالك في كل شيء حتى لا تُخسر الميزان فتخسر في الدُنيا والآخرة.