الأشياء التي خسرناها كي نستمر
هانى الميهى
الفصل الثامن
ما فقدناه ونحن نحاول ألا نفقد كل شيء
لا أتذكر متى فقدت دهشتي الأولى.
ولا أعتقد أن أحدًا يتذكر.
فالأشياء الجميلة لا ترحل عادةً بصوت عالٍ، ولا تترك وراءها رسالة وداع. هي تغادر بهدوء، مثل صديق قديم انشغل عنك قليلًا، ثم اكتشفت بعد سنوات أنه لم يعد يعرف الطريق إليك.
أتذكر أنني كنت أفرح كثيرًا.
ليس لأن حياتي كانت أفضل، بل لأن قلبي كان أخف.
كنت أنتظر العيد كأنه معجزة صغيرة. وأنتظر رسالة من صديق كأنها حدث مهم. كنت أفرح برحلة قصيرة، وبكتاب جديد، وبفنجان قهوة في مساء هادئ.
كانت الأشياء الصغيرة تكفيني.
أما الآن…
فالأشياء الكبيرة نفسها لا تدهشني كما كانت.
أحيانًا أسأل نفسي:
متى حدث هذا؟
متى أصبحنا نعيش أكثر مما نشعر؟
ومتى تحولت الحياة من مغامرة نركض إليها بشغف، إلى قائمة طويلة من الواجبات نحاول الانتهاء منها؟
لا توجد إجابة واضحة.
فالحياة لا تسرق منا الأشياء دفعة واحدة.
هي تأخذها بالتدريج.
تأخذ قدرتك على الانتظار الجميل، حين تكتشف أن بعض ما انتظرته لم يأتِ.
وتأخذ ثقتك المطلقة بالأيام، حين تعلمك أن الغد لا يحمل دائمًا ما تتمناه.
وتأخذ حماسك للبدايات، حين ترى نهايات كثيرة لم تكن تتوقعها.
ثم تقنعك أنك بخير.
وأن هذا اسمه نضج.
لكن هل النضج فعلًا أن نفرح أقل؟
أن نحلم بحذر؟
أن نضحك ونحن نفكر في الغد؟
لا أظن.
أعرف رجلًا تجاوز الستين من عمره، وكان يملك كل ما كان يحلم به في شبابه. بيتًا واسعًا، وعملًا ناجحًا، وأبناء يفتخر بهم.
لكنني رأيته مرة ينظر إلى مجموعة أطفال يلعبون الكرة في الشارع، ويبتسم بحزن غريب.
سألته:
ـ ماذا بك؟
قال:
“أشتاق إلى الأيام التي كنت أجري فيها وراء الكرة وكأنها أهم شيء في العالم.”
لم يكن يشتاق إلى الكرة.
كان يشتاق إلى نفسه.
إلى ذلك القلب الذي كان يعرف كيف يفرح دون سبب، وكيف ينام دون قلق، وكيف يستيقظ متحمسًا ليوم جديد.
نحن لا نفقد الأشياء فقط…
نحن نفقد الطريقة التي كنا نرى بها الأشياء.
نفس الشوارع ما زالت موجودة.
ونفس السماء.
ونفس القمر الذي كنا ننظر إليه ونحن صغار.
لكن شيئًا في الداخل تغيّر.
صرنا نحسب أكثر.
ونخاف أكثر.
ونفكر أكثر.
حتى الفرح…
أصبح يحتاج إلى أسباب كثيرة.
أحيانًا أعتقد أن أخطر ما فقدناه ليس الوقت، ولا الأحلام، ولا حتى الأشخاص.
بل فقدنا تلك القدرة النادرة على أن نعيش اللحظة كاملة.
أن نشرب القهوة دون أن ننشغل بما بعدها.
أن نجلس مع من نحب دون أن ننظر إلى الهاتف.
أن نفرح باليوم العادي دون أن ننتظر مناسبة كبيرة.
كأننا كنا نبحث عن النجاة طوال الوقت…
فنسينا أن نعيش.
انشغلنا بالحفاظ على الأشياء الكبيرة:
العمل.
المسؤوليات.
المستقبل.
الحسابات.
حتى فقدنا أشياء صغيرة جدًا…
لكنها كانت تمنح للحياة روحها.
فقدنا الدهشة.
وخفة القلب.
ومتعة الانتظار.
والإيمان البسيط بأن الغد قد يحمل شيئًا جميلًا.
وربما لهذا نشعر أحيانًا بحنين لا نفهمه.
ليس حنينًا إلى الماضي.
ولا إلى الأشخاص.
بل حنين إلى أنفسنا…
إلى الإنسان الذي كنا عليه قبل أن تزدحم الحياة داخلنا.
لكن الخبر الجميل…
أن بعض الأشياء لا تموت.
هي فقط تنام.
تنتظر أن نتوقف قليلًا.
أن نرفع أعيننا عن مخاوفنا.
أن نتذكر أن الحياة ليست مشروعًا للنجاة فقط.
بل فرصة للشعور.
للفرح.
وللدهشة من جديد.
فما فقدناه ونحن نحاول ألا نفقد كل شيء…
لم يكن دائمًا أشياء كبيرة.
أحيانًا…
كان قلبًا يعرف كيف يعيش.






المزيد
رماد الإنتقام الكاتبة إسراء حسن عبدالله
تراتيل النزيف الأخير بقلم فلاح كريم العراقي
استعيد قوتك بقلم سها مراد