【 تراتيل النزيف الأخير 】
الكاتب : فلاح كريم العراقي
كُفّوا أيديكم الباردة عن حطامي، فما حاجتي إلى ضماد كلماتكم المنافقة، وقد نبت الوجع في شراييني كعشبٍ بريٍّ مشتعل؟
يواسونني بالصبر، وعمري قد شابَتْ أولُ فصوله قبل أن تطأ قدماي عتبة المشيب. فكيف يستقيم غدي، وخريفي قد باغت ربيعي في أول الطريق؟
أبيعكم ما تبقّى من سنيني، وأهبكم عمري كلَّه قربانًا لمن يشتري مني هذه الذاكرة اللعينة، لمن ينتزع من صدري غصّة الحنين، ويمنحني غيبوبة النسيان. سأكون له من الشاكرين، بل سأقبّل يدًا تُخلّصني من جحيم وعيي.
يقولون: “ستهون”… وتبًّا لجهلهم بما يشتعل بين أضلعي. فلو أن شرارةً واحدةً من النار المتأججة في صدري لامست طمأنينة عالمهم، لأحرقت سماءهم، وجعلت أيامهم رمادًا تذروه الرياح.
يمرّون بجانبي، يرمقون شحوب وجهي وانطفاء بريق عينيّ بنظراتٍ باهتة، ويتعجّبون من تبدّل ألواني، وهم أعجز من أن يفهموا أن الموت لا يحتاج دائمًا إلى كفن؛ فقد يأتي أحيانًا على هيئة ملامح ذابلة، وابتسامةٍ منكسرة، وقلبٍ فقد سبب نبضه.
فما نفع ترياقكم حين تكون العلّة في عمق الروح؟ وأيّ جدوى لدواء طبيبٍ لقلبٍ قُتل بخنجر الخيبة؟
لقد حزموا حقائب الرحيل، ومضوا إلى أبعادٍ لا تطالها يد، وتركوا خلفهم جثةً تتنفّس على رصيف الانتظار، تقتات على بقايا الأطياف، ويسحقها صمت المكان.
فهنيئًا لتلك القلوب التي لم تذق مرارة الفقد، وهنيئًا لمن ينام ملء جفونه، فلا يوقظه طيفُ راحل، ولا يمزّق ليله حنينٌ قاتل.
وطوبى لمن يعبر الحياة خفيفًا كالهواء، لا يحمل في صدره غائبًا، ولا يبكي على أطلال حلمٍ ذبحوه في وضح النهار…
أما أنا، فما زلتُ أقف عند آخر محطةٍ للخذلان، أرتّل نزيفي الأخير، وأنتظر معجزةً تعيد إلى هذا القلب ما سرقته منه الأيام.






المزيد
رماد الإنتقام الكاتبة إسراء حسن عبدالله
الأشياء التي خسرناها كي نستمر بقلم هانى الميهى
استعيد قوتك بقلم سها مراد