كتبت سُندس خالد حمّامي
كانَ “بريق” يأخذ يومياً قاربهُ ليصطاد السّمك، وتعلّم هذه المِهنة من والدهِ قبل وفاتِه، كانَ “بريق” مشرّد ينامُ في خيمة على أطراف البَحر بعدَ أن غادرتهُ والدتهُ وتزوجت من رجلٍ آخر، كانَ يومياً يصطاد السَّمك ويأكل الذي يأكلهُ ويبيعُ ما زادَ معهُ ويطعم قطّهُ الذي كانَ يساندهُ في وحدته، وفي الأيام التي لا يبحرُ بها كانَ يجمع الخرداوات عن الشاطئ ويبيعها بازهدِ الأسعار كانَ وجههُ بشوش دائماً، كانَ يوجد قربهُ منزل يأتونَ إليه أصحابهُ من خارج البلاد كل فترة، كانَ لا يهابُ شيء فتى شُجاع أسمر الوَجه أكلتهُ الشَّمس من كثرة الجلوس على الرّمل وعضلاته من قيادة القارب الصّغير وعيناهُ العسليّتان اللّواتي يلمعان في ضوءِ النَّهار، كانَت أمَّهُ تأتي إليه مرّة في الشهر لديهِ أختٌ صغيرة عمرها أربع سنوات كلّما أتت أمهُ إليه تركض الفتاة إلى أحضانهِ وكأنّها رأت لعبةً تحبّها، مرّت الأيام وتعبت والدتهُ مرّ الشهر دون أن تأتي جلسَ يتصفَّن في البحر ويرمي أحجارهُ ويتذكّر ما مرّ بهِ من كربٍ، انتصبَ وركضَ مسرعاً أخذ دراجته التي أحضرتها والدته له لأنهُ كانَ يرفض دائماً العيش معها او الذهاب بسيارتهاإلى الأماكن التي يريدها، أخذ ربريق” يقود دراجته مسرعاً لمنزل والدته وعندما وصل أوقفه الحارس، تفضل يا فتى ماذا تريد؟
أمي في الداخل وأريد أن اراها،
فتح الحارس باب القَصر وقال له: تفضل بالدخول
ركض مسرعاً إلى الداخل ورنً جرس المنزل فتحت الباب الخادمة وقالت لهُ تفضل ماذا تريد؟
أريد أن أرى أمي انا “بريق”
تفضًل أمك في غرفتها في الطابق الأول الباب الذي على يدك اليمين، رفعَ رأسهُ ليصعد إلى الدرج رأى طبيب يخرج من الغرفة اسرع إليه ووقفَ يسأله عن حال أمّه، أخبرني أيخا الطبيب هل أحوالها بخير؟
لأخبركَ أيخا الفتى أمك كتعبة جدّاً ولم يتبقى لها إلا القليل، ابعدَ الطبيب عن طريقهُ ودخل إلى والدتهُ، أمي ماذا حلَّ بكِ؟
جلسَ على الأرض يقبل يديها ويسألها أخبريني لماذا أنتِ متعبة؟
كل هذهِ الفترة يا حبيبي لم أخبركَ بمرضي كانَ لديّ مرض في معدتي وبعدها تجرثم دمي وتعبت، لأخبرك في هذه اللحظة قبل أن أغادر، لا تتكلّمي هكذا يا أمي من فضلكِ، يا حبيبي “بريق” إن فارقتُ الحَياة فأختكَ لك، لن تعيش مع زوجي لأنَّهُ تركني وسافر خارج البلاد بعد أن كبرت طفلتنا لهذا السّنّ، وتركَ كلّ أموالهُ لي ولأختك “فيّ” لكن انا أحضرت المحامي وأصبحَ كلُّ شيء لك ولأختك الصغيرة هذا المنزل وسفينةٌ صغيرة ومكتب زوجي السابق، سوفَ يكونُ معكَ مدير العمل ويرشدكَ على كلّ شيء لا تقلق، كتبتُ لكَ على دفترٍ تراهُ في غرفتكَ التي أحضرتها لك ولم تأتي إلها عن كلّ ما لديّ وأصبح لك لا تقلق بشأن أختكَ الصغيرة فإنها تعتمد على نفسها وكأنّها أنت، ولا أخاف على أختكَ معك، أعلمُ أنكَ تحبّها وهي أيضاً انتبه على نفسك وإليها فهي ذكرى منّي لك.
أغمضت عينيها وكأنها دخلت في نومٍ عميق لكنّها توفّت، جلسَ يبكي ويقبّل يديها وخرجَ من غرفتها بعدَ أن غطّى وجهها وسألَ عن “فيّ” أين “فيّ” يا آنسة؟
إنها في غرفتها نائمة
دخلَ إليها وجلس فوق رأسها يلامس شعرها فنظرَ إليها رآها تبكي ماذا بكِ يا “فيّ” ولماذا تبكين؟
سمعتُ حديثكَ مع أمّي أنا أحبها لا أريدها أن تذهب إلى السماء
هذا قدرٌ من الله يا عزيزتي وسوف أبقى معكِ مدى الحياة ألا تحبيني يا جميلتي؟
أدارت وجهها إليه وضمتهُ بقوة وكانوا يبكونَ معاً ألا تريدين الحلوى يا حلوتِي؟
نظرت إليه وضحكَت فأخرجَ من جيبهِ الكثير من الحلويات، كلّ هذه لكِ لا أريدكِ أن تبكين مرّة أخرى…
بعد مرور ثلاثة شهور:
الشاب الذي كانَ عليه “بريق” من يراه لا يعلم أنه هذا هو، شابّ مسؤول، مميز، جميل، عزيز النفس ولا يرضى الخطأ،
أصبحَ لديه سفينتهُ الخاصّة وبدأ دراسة القيادة البَحرية، واستلم منصبهُ الكبير في الشّركة، وكانَ لشركتهُ منظراً يطلّ على البحر وكأنّهُ في خيمتهِ لكن بطريقةٍ أخرى.






المزيد
الركض خلف الأشياء بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر
اليوم الثالث حوار صحفي كيف يرى الناشرون مستقبل الكتاب الورقي؟ بقلم الكاتب هانى الميهى
في عزّ اليأس.. لما الدعوة تبان مستحيلة بقلم اماني منتصر السيد