مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الذين يبدون بخير بقلم الكاتب هانى الميهى

الذين يبدون بخير
الكاتب هانى الميهى

الفصل الثاني عشر
هناك أشخاص لا يقلق عليك أحد بسببهم.

ليس لأنهم لا يتألمون…

بل لأنهم أتقنوا إخفاء ألمهم.

يبتسمون كثيرًا.

يمزحون في الوقت المناسب.

يسألون عن الجميع.

ويتذكرون أدق التفاصيل عن الآخرين.

حتى تظن أنهم أكثر الناس طمأنينة…

بينما هم في الحقيقة أكثرهم احتياجًا لمن يسألهم:

كيف حالك حقًا؟


أعرف هذا النوع من البشر جيدًا.

ذلك الذي يقول:

“أنا بخير.”

دون أن ينتظر منك سؤالًا آخر.

ليس لأنه بخير فعلًا…

بل لأنه تعب من الشرح.

تعب من أن يصف شعورًا لا يفهمه هو نفسه.

وتعب أكثر من أن يسمع النصائح نفسها:

“لا تفكر كثيرًا.”

“كن قويًا.”

“الأيام ستتغير.”

وكأن الكلام قادر دائمًا على تضميد ما لا يُرى.


هناك أوجاع لا تحتاج إلى علاج.

بل تحتاج إلى من يفهمها.

إلى شخص لا يسأل بدافع الفضول.

بل بدافع الحب.

شخص يجلس بجوارك…

ولا يحاول إصلاحك.

فقط يمنحك شعورًا أنك لست مضطرًا لأن تبدو قويًا طوال الوقت.


أحيانًا أتساءل…

كم مرة ضحكنا ونحن لا نريد الضحك؟

كم مرة قلنا:

“لا شيء.”

بينما كان بداخلنا ألف شيء؟

وكم مرة عدنا إلى بيوتنا،

وأغلقنا الأبواب،

ثم خلعنا تلك الشخصية القوية التي ارتديناها طوال اليوم؟


الحياة علمتنا أن نخفي.

أن نبدو متماسكين.

أن نعتذر عن دموعنا.

أن نؤجل حزننا.

أن نكمل الطريق مهما تعبنا.

لكنها لم تعلمنا كيف نطلب المساعدة.

ولم تعلمنا أن الإنسان لا يصبح ضعيفًا حين يعترف بأنه متعب.

بل يصبح أكثر صدقًا.


أكثر الناس احتياجًا للاحتواء…

هم الذين يحتوون الجميع.

وأكثر الناس احتياجًا إلى كلمة طيبة…

هم الذين يمنحونها للآخرين بلا حساب.

وأكثر الناس وحدة…

ليسوا من يعيشون وحدهم.

بل أولئك الذين يحيط بهم الجميع،

ولا يعرف أحد ماذا يحدث داخلهم.


أحيانًا لا يحتاج الإنسان إلى حل.

ولا إلى نصيحة.

ولا إلى كلمات كبيرة.

كل ما يحتاجه…

أن يشعر أن هناك من يراه.

يرى خوفه الذي يخفيه.

وتعبه الذي يبتسم فوقه.

وحزنه الذي لا يجيد التعبير عنه.


كم من شخص قابلناه وقلنا:

“يبدو بخير.”

فكان يخوض أصعب معركة في حياته.

وكم من إنسان ابتسم في وجوهنا…

ثم عاد إلى غرفته،

وجلس في صمت طويل،

يحاول أن يقنع نفسه أن الغد سيكون أخف.


أصبحت أؤمن أن اللطف ليس رفاهية.

أن تسأل إنسانًا عن حاله بصدق…

قد ينقذه.

أن تستمع إليه…

قد تخفف عنه عمرًا كاملًا.

أن تشعر به…

قد تعيد إليه شيئًا فقده منذ سنوات.


فالناس لا يموتون دائمًا من الحزن.

أحيانًا…

يتعبون فقط،

لأنهم ظلوا طويلًا…

يبدون بخير.