مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الذكر الطيب… عمرٌ ثانٍ لا يفنى

Img 20250430 Wa0138

 

 

كتبت: هالة سلامة محمد

 

قال الله تعالى على لسان خليلِه إبراهيم عليه السلام:

{وَٱجۡعَل لِّي لِسَانَ صِدۡقࣲ فِي ٱلۡـَٔاخِرِينَ}

أي: اجعل لي ذِكرًا طيبًا يُحمد، وأثرًا باقيًا يُقتدى به من بعدي.

دعاءٌ عظيم من نبيٍ كريم، يطلب فيه من ربه سُمعةً حسنة تبقى بعد رحيله، مع أنه نبيٌ مصطفى، وأحد أولي العزم من الرسل!

فإن كان هذا رجاؤه، فبماذا ندعو نحن؟ وعلى أي حالٍ نرضى إن نحن أهملنا سيرتنا بين الناس؟

 

إن الذكر الحسن والسيرة الطيبة، نعمةٌ من الله لا تقل عن نعمة المال أو الولد، بل قد تفوقهما.

فالسُمعة الطيبة عمرٌ ثانٍ يعيشه الإنسان بعد وفاته، لا تفنيه الليالي، ولا تُغطيه الأتربة.

 

وقد استجاب الله دعاء خليله، فقال:

{وَوَهَبۡنَا لَهُم مِّن رَّحۡمَتِنَا وَجَعَلۡنَا لَهُمۡ لِسَانَ صِدۡقٍ عَلِیࣰّا}

فها نحن إلى اليوم، نُصلّي على إبراهيم عليه السلام في صلواتنا، خمس مراتٍ كل يوم، نذكره بالخير، ونشهد له بالفضل.

 

وها هي مريمُ الطاهرة -عليها السلام-، حين جاءت تحمل عيسى عليه السلام، لم يكن في أيدي الناس دليل، لكنهم تذكروا طِيب سيرة والديها، فقالوا:

{یَـٰۤأُخۡتَ هَـٰرُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمۡرَأَ سَوۡءࣲ وَمَا كَانَتۡ أُمُّكِ بَغِیࣰّا}

فطُهر السيرة يشفع، وطيب السمعة يردّ التهمة.

 

وكذلك يوسف عليه السلام، رفض أن يخرج من السجن حتى تُطهَّر سمعته، ويُبرّأ من الظلم، فقال:

{ٱرۡجِعۡ إِلَىٰ رَبِّكَ فَسۡـَٔلۡهُۥ مَا بَالُ ٱلنِّسۡوَةِ ٱلَّـٰتِی قَطَّعۡنَ أَیۡدِیَهُنَّ}

فلما اعترفن ببراءته، خرج للناس بسيرةٍ نقية.

 

وللسُمعة أثرٌ في الدنيا والآخرة؛

سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن امرأة تُكثِر من الصلاة والصيام، لكنها تؤذي جيرانها بلسانها، فقال: “هي في النار”،

وقيل له عن امرأة أخرى، قليلة الصيام والصلاة، لكنها لا تُؤذي أحدًا، وتحفظ لسانها، فقال: “هي في الجنة”.

 

يا عبد الله، يا أمة الله،

احرصوا على الذكر الطيب، واصنعوا لأنفسكم سيرةً تُذكَر، لا مجرد حياة تُعاش،

فالعمر الحقيقي لا يُقاس بالسنوات، بل بما يتركه الإنسان بعده من أثر،

فارفع لنفسك بعد موتك ذِكرَها، فإن الذكر للإنسان عمرٌ ثانٍ.

فاللهم اجعل لي أثرًا طيبًا لا يُنسى، وذكرًا حسنًا لا يُمحى، وعملًا صالحًا يُرفع، وقلوبًا تدعو لي بعد رحيلي.