مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

حادثة الإفك

Img 20250430 Wa0114

 

 كتبت الشيماء أحمد عبد اللاه

 

في تاريخ الطهر، هناك لحظات لا تُنسى، لحظات يختبر الله فيها القلوب، ويُغربل الصفوف، ويُسقط الأقنعة، ويُعلي الحق. 

 

حادثة الإفك لم تكن مجرد كذبة عابرة، بل كانت ابتلاءً عنيفًا نزل على بيت النبوة، فاهتزت له المدينة، وسُجلت به واحدة من أعظم الدروس في تاريخ الإنسانية والإيمان.

 

في بيت الطهر والنور، حيث تسكن عائشة رضي الله عنها، زهرةً نضِرة لم تتفتح بعد، انطلقت الإشاعة من أفواهٍ مريضة، لا تعرف حرمة ولا تخشى الله، مشهد بريء في الصحراء، يتحوّل إلى حديث المجالس، فيتحول الصمت إلى سُمّ، والسكوت إلى حريق.

 

 ولم يكن لدى عائشة ما تدفع به التهمة، إلا دموعها وسكوتها، فبكت حتى قالت: “والله ما أجد لي ولكم مثلاً إلا كما قال أبو يوسف: فصبرٌ جميل، والله المستعان على ما تصفون.”

 

أما النبي صلى الله عليه وسلم، فوقف أمام البلاء صابرًا، تتجاذبه المشاعر بين وجع الزوج، وحكمة النبي، وهمّ القيادة. 

 

لم ينطق بما يليق بغير أهل الفضل، بل ترك الأمر بين يدي الله، يتضرع ويدعو، حتى جاءت لحظة الفرج من فوق سبع سموات، بعد أن سكتت الأرض، وتكلمت السماء.

 

نزل قول الله تعالى:

“إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرًّا لكم بل هو خير لكم…” [النور: 11] فكانت هذه الآيات بردًا وسلامًا على قلب المظلومة، وضياءً ينير درب المؤمنين من بعدها، لم تكن مجرد براءة، بل كانت تزكية سماوية، ودستورًا أخلاقيًا ينهاهم عن تتبّع العورات، والخوض في الأعراض.

 

ومن الشعر ما خلد هذا الموقف، ما قاله حسان بن ثابت رضي الله عنه، شاعر الرسول، معتذرًا بعد توبته:

حصانٌ رزانٌ ما تُزنُّ بريبةٍ

وتصبح غرثى من لحوم الغوافل

 

فهي العفيفة الصوّامة القوّامة، التي امتحنها الله فصبرت، فرفعها، وجعل قصتها موعظة وعبرة، لا تُنسى ما دامت السماء تقرأ، والأرض تروي.

 

تُعلّمنا حادثة الإفك أن الكلمة مسؤولية، وأن العرض لا يقل حرمة عن الدم، وأن الله إذا تولّى عبدًا فلن يضيّعه، ولو اجتمع الناس على أذاه.

 

 لقد انتصرت الطاهرة بكلمات من نور، وسُطّر في سجل الخلود أن الطهر لا يُهزم، وأن البهتان وإن تعالى صوته، يُخمده الحق إذا نطق، فتبقى القصة لا تموت، وتبقى العبرة لا تُنسى، وتبقى عائشة، رضي الله عنها، تاجًا على رأس الطهر، وشهادة حية على أن الله لا يخذل أولياءه أبدًا.