مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الدكتورة فاطمة

Img 20250214 Wa0000

 

كتبت: ملاك عاطف

في إحدى القاعات الجامعية الفسيحة في كلّية الطبّ، حيث كانت الأحلام تعانق نور النّجاح، والأرواح تتوق إلى انغماسها في التّخفيف عن المرضى، والسّعيُ على أحرّ من الجمر ينتظر نضجه بعد تخرّج هذه الثلّة من الأطبّاء الجدد، وقفت الدكتورة فاطمة متقلّدةً بحلمها الممتدّ في أفياء الحقيقة، وبينما ينتظر الطّلّاب بدء المحاضرة بشغف، قالت لهم: اسمعوا أيّها الطّلّاب، يا كوكبة المهنة الشّريف، يا أطبّاء المستقبل الدؤوبين، من لا يملك ثمن الكتب؛ فلا يدفع شيئًا.

ردّ طالبٌ لم يتمالك كلماته من ذهوله، فانسكبت من فيه على هيئة استفهامٍ ممزوجٍ بتعجّبٍ فيه ما فيه من ملامح السرور وعلامات الامتنان، وقال: ولماذا لم تقرّي طرد من لا يحمل كتابه، أو تحكمي عليه بالرسوب كما يفعل بقيّة المحاضرين هنا؟ وإذا ادّعى الجميع أنّهم لا يقدرون على شراء الكتب، فماذا ستفعلين؟

أجابته بابتسامةٍ ودودة: الكتب منّي، وأنا أسامح الجميع.

واستطردت قائلة: اسمعوا هذه القصّة، قبل عشرين سنة، كانت هناك طالبةٌ تدرس هنا في نفس هذه الجامعة، تجلس على مقعدها شاردةً في فقر حالهم وعجز والدها عن دفع الرسوم، وثمن الكتب، وشراء الأدوات الطبية اللّازمة، بينما هو يجوب الشوارع في سيّارته العموميّةَ يرجو الله أن يرسل إليه رزقًا بإيصال زبونٍ إلى وجهةٍ معينة، كان مستعدًّا أن يذرع مصر كلّها بأشواطٍ لا متناهية، المهمّ أن يؤمّن لابنته حاجاتها.

ذات مرّةٍ عاد؛ ليأخذها من الجامعة كعادته بعد نهاية الدوام، فإذا بها تطلب 500 جنيهًا؛ من أجل شراء المريول الأبيض، والجهاز قياس الضغط، وبعض الإبر اللازمة لتدريبها ذلك الفصل.

-حاضر يا عزيزتي، سأبذل قصارى جهدي وأوفر المبلغ.

-وكيف هذا يا أبتي الحبيب، ومعاش شهرٍ لا يكفي؟

-الله الذي وهبنيكِ، وتكفّل برعايتك وحفظك لي مذ كنت صغيرة، قادرٌ على أن يسوق إليك ثمن مستلزماتك إن شاء الله، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

أوصلها إلى المنزل وعاد يستكمل عمله، حلّ الّليل، ونزل المطر، وخلا مجمّع السائقين إلّا منه، وغاب كلّ عاملٍ خلف جدر بيته يطلب راحةً ودفءًا. أمّا هو، فكانت راحته تكمن في حصوله على 500 جنيه بالحلال؛ كي يرضيَ قلب فاطمة العامر بالإيمان، والنّابض باحبّ العلم.

خاب انتظاره، وذوى أمله، ولم يأت أحد، واستسلم لإرادة الله عائدًا أدراجه إلى منزله البسيط المكتظّ بالّذكر والقيام.

في الطّريق، صادفه رجلٌ يطلب عونه، أخبره أن سيارته قد سطا عليها لصوص، وهربوا بها تاركينه مجرّدًا من كلّ ما معه، وعده بدفع الأجرة حال وصوله إلى منزله.

أخذه معه وسأله ذاك الغريب عن صورةٍ معلّقةٍ أمامه، فأخبره أنّها ابنته، وأنّها تدرس في كلّية الطب. 

صعد الرجل إلى منزله في الطابق الثاني بعد وصولهما إلى العمارة المنشودة، وظلّ أبو فاطمة ينتظره، ثمّ تناهى إلى مسامعه فجأةً صوتٌ فزعٌ متلعثمٌ يطلب نجدةً مستعجلة.

هرع باتجاه الصوت، فإذا به الرجل يحاول إنقاذ ابنته وزوجته من اختناقٍ ألمّ بهما، وأوشك أن يخطف حياتهما معلّقًا إيّاهما على حبل الموت! غازٌ كثيفٌ يملأ المكانن ويشوّش الرؤية في غيومٍ قاتمةٍ ضبابيّة.

أسرعا بالمصابتين إلى السيارة، ونقلاها إلى المستشفى، وسبقا بتوكّلهما عدّاد حياتهما المتسارع قبل أن يطول نقطة النّهاية، وفرّا من تصوّرهما البشع إلى لطف القدر. 

وفي طريق العودة من المستشفى، أخبر السّائق الرجل أنّ ابنته فاطمة تحتاج إلى 500 جنيه، وأنّه ساهرٌ في سبيل توفيرها، فمدّ إليه النقود، ولكن أبو فاطمة رفضها قائلًا: عاهدنا الله أنا وزوجتي أن يكون آخر طلبٍ هو صدقة، ولن تكون حاجتي وسواسًا أنقض به عهدي مع الله!

في اليوم التالي، دخل أحد الحراس على قاعة المحاضرات يسأل عن فاطمة، فتوتّرت وبدت علامات القلق جليّةً عليها حين وقفت معرّفةً بنفسها، فبادرها الحارس بقوله: عميد الكلية يطلبك. اتّسعت دهشتها، وسالت قطرةُ عرقٍ وجلةٍ من تحت حجابها لتشقّ طريقها على جبينها مع حمرة وجهها المكفهر. دخلت على العميد وحيّته، فردّ التحيّة وسألها عن والدها وعن طبيعة عمله، ثمّ روى لها قصة ال500 جنيه نقلًا عن أبيها.

-هل أنت زبون ليلة أمس يا أستاذ؟ سألته.

-نعم أنا، ولولا رحمة الله ولطف والدك، لخسرت زوجتي وابنتي، خذي يا ابنتي، هذه هي ال500 جنيه، هي لك، ومن الآن فصاعدًا، لا تدفعي شيئًا، تكاليف دراستك طوال السنين الستّ هي منّي هديّة، ومحاولة متواضعة لردّ جميل أبيك.

هكذا تجلّى كرم الله في أعظم صوره، وآتى التّوكّل ثماره، وجنت الصّدقات ضعفها، وجلب الوفاء بالعهد مع الله بركةً ورزقًا خيّرا، وحلّ عليهما فضل الله سترًا وجزاءا!

-أنت هي؟ سألتها إحدى الطالبات، ودموعها تشقّ طريقها على خدّها؛ تأثّرًا وتقديرًا للدكتورة.

-نعم، أنا الدكتورة فاطمة يا أعزّائي، اسمي الدكتورة فاطمة، ولا شأن لي بغيري من مدرّسيكم، أنا أسامحكم، والكتب منّي؛ تكريمًا لكم وشكرًا على بذلكم وسعيكم.