مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الخامسة وخمس وخمسون دقيقة بتوقيت أم درمان بقلم بثينة الصادق أحمد

الخامسة وخمس وخمسون دقيقة بتوقيت أم درمان/الكاتبة بثينة الصادق أحمد (عاصي) 🇸🇩٠
الساعة الخامسة وخمس وخمسون دقيقة بتوقيت أم درمان…
الوقت الذي تصبح فيه الدقائق أثقل قليلًا، كأنها تتباطأ احترامًا للحظةٍ قادمة. المدينة كلها تبدو وكأنها تقف على أطراف قلبها، تنتظر الأذان كما ينتظر العاشق رسالةً طال غيابها.
ذلك الوقت الذي يتباطأ فيه كل شيء، وكأن الدقائق نفسها تمسك أنفاسها في انتظار الأذان. رائحة الإبري الدافئة تملأ المائدة، تتصاعد كحكاية قديمة تعرف طريقها إلى القلوب قبل الأنوف.
رائحة الإبري ليست مجرد شراب، إنها ذاكرة. ذاكرة بيوت قديمة، وضحكات كانت أعلى، ووجوه ربما غابت لكنها ما زالت تحضر مع كل إفطار. كل رشفة منه تقول: هنا بيت… وهنا عائلة… وهنا قلب ما زال يؤمن أن الدفء يسكن التفاصيل الصغيرة.
تتصاعد من الأكواب الموضوعة على المائدة كأنها حكاية قديمة تعود كل عام لتجلس معنا. رائحة لا تشبه مجرد شراب، بل تشبه الذاكرة… ذاكرة بيوتٍ كانت أكثر امتلاءً بالوجوه، وأكثر دفئًا بالضحكات.
“بعض الروائح لا تمر عبر الأنف فقط… بل تعبر مباشرة إلى القلب.”
في البيوت، المائدة ممدودة كذراع أمٍ تنتظر أبناءها.
التمر في طبق صغير، داكن ولامع، كأنه نجوم بنية سقطت من سماء المغيب لتستقر فوق السفرة. الأكواب مصطفة في هدوء، والعصائر تقف بجانب بعضها كأنها تستعد لمشاركة الفرح.
الأم تدور حول المائدة للمرة الأخيرة، تعدّل صحنًا هنا، وترتب كوبًا هناك، لا لأنها تخشى النقص، بل لأن قلبها في رمضان يريد أن يكون كل شيء كاملًا.
“الأم في رمضان لا تطهو الطعام فقط… بل تطهو الطمأنينة.”
لكن في أم درمان، الحكاية لا تبقى داخل الجدران.
قبل الأذان بدقائق، يخرج الرجال إلى الشارع. يحملون المفارش والطاولات الصغيرة، ويمدونها على الرصيف، ويضعون فوقها التمر وأكواب الإبري وأطباق الطعام.
ليس لأن البيوت ضاقت بهم…
بل لأن قلوبهم اتسعت لكل من يمر.
“في بعض الأماكن تُغلق الأبواب عند الغروب…
وفي أم درمان تُفتح الطرقات لتصبح مائدة.”
ليس لأن البيوت ضاقت بهم… بل لأن قلوبهم اتسعت لكل عابر.
“في أم درمان، الإفطار ليس عادة… بل رسالة تقول لكل غريب: أنت لست غريبًا هنا.”
يجلس الرجال في صفوف طويلة على جانب الطريق، متقابلين كأنهم إخوة فرّقتهم الأيام وجمعهم رمضان. بعضهم يعرف بعضه منذ سنوات، وبعضهم لا يعرف سوى أن هذه اللحظة تكفي ليصبحوا أهلًا.
تمر سيارة ببطء…
يرفع أحدهم يده مبتسمًا:
“تعال… تفضل… الإفطار جاهز.”
قد يتوقف عابر طريق، شاب لا يعرف الحي، أو رجل تأخر في العودة إلى بيته. ينزل بخجل خفيف، فيستقبلونه بابتسامة دافئة كأنهم كانوا ينتظرونه.
“الكرم الحقيقي… أن تترك مكانًا على مائدتك لشخص لم تقابله من قبل.”
يجلس بينهم، يأخذ تمرة، ويشرب من كوب الإبري.
وفي تلك اللحظة الصغيرة، يصبح الغريب واحدًا من أهل المكان.
الأطفال يركضون بين الصفوف، يحملون الأكواب، ويوزعون التمر، وضحكاتهم تملأ الشارع أكثر من أي صوت آخر.
والهواء المسائي يمر بين الناس حاملًا رائحة الطعام… ورائحة الإبري… ورائحة شيءٍ آخر لا يُرى لكنه يُحَس: رائحة الرحمة.
“رمضان لا يملأ البطون فقط… بل يملأ الفراغات القديمة في القلب.”
الساعة تقترب أكثر.
دقيقتان… ربما أقل.
الوجوه تهدأ قليلًا.
الأيدي ترتفع بالدعاء، والعيون تلمع بضوء الغروب.
حتى الشارع نفسه يبدو كأنه ينتظر.
حتى الريح تمر أبطأ قليلًا.
“في الدقائق التي تسبق الأذان… يصبح الدعاء أخف من الهواء، وأقرب إلى السماء.”
ثم يأتي الصوت الذي يعرفه القلب قبل الأذن:
الله أكبر… الله أكبر…
فتتحرك الأيدي نحو التمر.
تلامس التمرة الشفاه، ويرتشف الجميع أول رشفة من الإبري.
وفي تلك الرشفة الأولى…
يعود السلام إلى الجسد كما لو أن التعب كله كان مجرد غبارٍ وغسله الماء.
“أول رشفة في إفطار رمضان… ليست شرابًا، بل وعدٌ بأن الرحمة ما زالت تسكن هذا العالم.”
يتبادل الرجال الابتسامات:
“صيامًا مقبولًا…”
“ربنا يتقبل منا ومنكم…”
وقد يلتفت أحدهم إلى الرجل الغريب الجالس بينهم ويسأله بلطف:
“أول مرة تفطر معنا هنا؟”
فيبتسم ويقول:
“نعم… لكنها ليست الأخيرة.”
“بعض الأماكن لا تعرفك من قبل… لكنها تستقبلك كأنك عائد إليها.”
ومع كل لقمة، ومع كل رشفة، يفهم القلب شيئًا أعمق من مجرد الإفطار:
أن رمضان ليس شهر الطعام… بل شهر اللقاء.
لقاء الناس بالناس…
ولقاء الإنسان بنفسه…
ولقاء القلب بالرحمة التي نسيها طوال العام.
“رمضان يذكّرنا أن العالم يمكن أن يكون أجمل…
لو ترك كل واحد منا مقعدًا فارغًا على مائدته لغيره.”
وعند تلك اللحظة تحديدًا، تحت سماء أم درمان، وعلى رصيف بسيط تحوّل إلى مائدة عامرة، يدرك القلب سرًا صغيرًا لكنه عظيم:
“البيوت ليست الجدران التي نسكنها…
البيوت هي الموائد التي تتسع للغريب قبل القريب.”
وفي تلك الدقيقة، تحت سماء أم درمان، وعلى رصيف بسيط تحوّل إلى مائدة عامرة، يدرك القلب حقيقة صغيرة لكنها عميقة:
“أجمل ما في رمضان…
أنك قد تخرج من بيتك وحدك،
لكن الإفطار يجدك دائمًا بين أهلك.”
ولهذا، كل مساء في رمضان،
وقبل أن يعلو الأذان بدقائق،
تكتب أم درمان درسها الهادئ للعالم:
“إذا امتلأت القلوب بالكرم…
يمكن لشارعٍ بسيط أن يصبح وطنًا كاملًا.” 🌙