مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الحورية إيفا 

Img 20250326 Wa0007

كتبت منال ربيعي

 

أنا إيفا، ابنة بوسيدون، المدللة بين أمواج مملكته، روح البحر وجسده، همسه في عاصفته، وهدوؤه حين ينام العالم. منحتني مياه المحيط سلطانًا لا يملكه غيري، فبوسيدون، أبي، منحني قدرة لم تُمنح لأي حورية قبلي. أستطيع أن أتخلى عن زعانفي وأصنع لي قدمين كالبشر، أركض على رمالهم، أتنفس هواءهم، أراقبهم عن قرب، لكن دون أن يراني أحد، فهذه هي القاعدة الأولى في عالمنا: لا اقتراب من البشر، لا تواصل، لا عشق.

 

لكني خالفت القاعدة.

 

في ليلة قمرية، حيث البحر مرآة مضيئة للسماء، جاء صياد بشري، كان مختلفًا، لم يكن خائفًا من أمواجنا الهائجة ولا أساطيرنا المرعبة. كان يبحث عن رزقه في بحر مملكتنا، في المكان الذي لا يدخله البشر. راقبته من خلف الشعاب المرجانية، جسده المنهك من الحياة، يديه الخشنتين من حمل الشباك، عينيه اللتين تحدقان في المجهول وكأنهما تتحديانه. كان شجاعًا بطريقة أثارت فضولي، ثم أدهشني قلبي حين خفق لأول مرة.

 

أردت رؤيته أقرب، فأبحرت حتى الشاطئ الذهبي حيث اعتدت أن أتحرر من جسدي المائي، حيث أخلع زعانفي وأغرق في لحظة إنسانية خالصة. لم أكن أعلم أنه يتلصص عليّ، أن عيناه كانت شاهدة على تحولي، أن نظراته حملتني كما لم يحملني بحر من قبل. وقعت ضحية فضولي، لم أكن أعلم أنني كنت أسرق من نفسي حريتي.

 

اقترب، ولمست يداه الرمليتان أصداف زعانفي، تلك الأصداف التي كانت سر قوتي وسر انتمائي. وقبل أن أدرك المصيدة، كانت يديه قد انتزعتاها، فأصبحت أسيرته، كما تقول الأسطورة. نظرت إلى عينيه وهو يقبلني بشغف لم أعرفه في أعماق المحيطات، كان يقبلني وأنا أفقد نفسي، وأنا أتحول من ابنة البحر إلى امرأة لرجل، من روح للأمواج إلى كائن بشري يقف على قدميه دون أن يستطيع السباحة بعيدًا.

 

اصطحبني إلى قريته، ولم أقاوم. أحببته كما تحب السمكة ماءها الأول، كما تحب الموجة احتضان الشاطئ وإن كان مصيرها التحطم عليه. كل ليلة كان يضمني إلى صدره، يهمس لي بكلماته الغريبة عن البحر، عن الحب، عن الرغبة. كنت أذوب بين ذراعيه، لكن في أعماقي كان صوت الموج يصرخ، كان أبي يناديني، كان المحيط ينزف فقداني.

 

حملتُ أطفاله، ثلاث أقمار صغيرة، كانت مزيجًا من الحوريات والبشر، بعيون تشبه المحيط وأحلام تلمع كنجوم السماء. عشتُ سنوات بين عالمين، بين الحب والحنين، بين الرجل الذي أسرني والمياه التي كانت موطني. لكنني كنت أعرف، كنت أشعر، أن البحر لم ينسَني، وأنه سيعيدني إليه يومًا ما.

 

وفي ليلة أخرى، حيث القمر يُنير البحر بضياء مسحور، وجدت أصدافي عند عتبة منزلنا الصغير. لم أبحث عن تفسير، لم أُواجهه، لم أنظر حتى في عينيه حين حملتها بين يديّ. كنت أعرف أنني لن أستطيع البقاء بعد الآن، أن البحر استعاد حقه، وأنني سأكون دومًا إيفا ابنة بوسيدون، لا أسيرة صياد.

 

دخلت الماء كما لو كنت أعود إلى رحم أمي، واحتضنتني الأمواج كما لم يحتضنني أحد من قبل. نظرتُ خلفي للحظة أخيرة، رأيت الحزن في عينيه، رأيت العجز في وقفته، ورأيت أطفالي يحدقون فيّ بأعين مليئة بأسئلة لن أجيب عنها. ثم اختفى كل شيء، وعاد البحر ليبتلعني، ليعيدني إليه، حيث كنت دائمًا أنتمي.

 

تركته، لكنه لم يتركني. عرفت أنه سيقضي حياته كلها واقفًا على الشاطئ، يراقب الموج، ينتظر أن تعيده المياه إليّ، كما أعادتني إليه يومًا. لكن البحر، كالحب، يأخذ أكثر مما يعطي.

 

أنا إيفا، ابنة بوسيدون. ربما وقعت في الحب، لكنني كنت، وسأظل، ملكة الأمواج.