مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الحرمان

بقلم الدكتورة إسلام محمد
استشارية الصحه النفسيه والإرشاد الاسري والزواجي ودكتوراه في التنميه البشريه وتطوير الذات وعضوة بمنظمه حقوق الإنسان المصريه وصاحبه كتابي البحث عن الذات و كتاب طوظ
الجرح الخفي في النفس الإنسانية
يُعدّ الحرمان من أكثر التجارب النفسية قسوةً وأثرًا في تشكيل شخصية الإنسان، إذ لا يقتصر على غياب الأشياء المادية فحسب، بل يمتد ليشمل الحرمان العاطفي، والوجداني، والإنساني. فالإنسان قد يمتلك كل مقومات الحياة الظاهرة، ومع ذلك يعيش حرمانًا داخليًا ينهك روحه ويؤثر في سلوكه وتفاعلاته مع الآخرين.
يبدأ الحرمان غالبًا في مراحل مبكرة من العمر، حين يُحرم الطفل من الأمان، أو الاحتواء، أو القبول غير المشروط. وقد يكون الحرمان صامتًا، لا يُرى ولا يُسمع، لكنه يترك أثرًا عميقًا في النفس، يظهر لاحقًا في صورة خوف من الهجر، أو احتياج مفرط، أو صعوبة في بناء علاقات صحية. فالطفل الذي لم يُشبَع عاطفيًا، يكبر وهو يحمل فجوة داخلية، يحاول سدّها بطرق قد تكون مؤلمة له ولمن حوله.
ولا يقتصر الحرمان على الطفولة، بل قد يعيشه الإنسان في علاقاته الزوجية أو الاجتماعية، حين يكون موجودًا جسديًا وغائبًا نفسيًا. فكم من أشخاص يعيشون تحت سقف واحد، لكنهم محرومون من الحوار، ومن الشعور بالتقدير، ومن أبسط أشكال الدعم العاطفي. هذا النوع من الحرمان أشد قسوة، لأنه يحدث في ظل وجود الآخر، مما يضاعف الإحساس بالوحدة.
ويؤدي الحرمان المستمر إلى آثار نفسية خطيرة، منها ضعف تقدير الذات، والقلق، والاكتئاب، وأحيانًا الغضب المكبوت أو العدوانية. وقد يدفع الإنسان إلى التعلّق المرضي، أو على العكس، إلى الانسحاب العاطفي الكامل كآلية دفاعية لحماية النفس من الألم.
لكن الوعي بالحرمان هو الخطوة الأولى نحو التعافي. حين يدرك الإنسان جذور ألمه، ويتصالح مع احتياجاته غير المُشبَعة، يبدأ طريق الشفاء. فالتعويض الصحي للحرمان لا يكون بالاستجداء أو التعلّق، بل ببناء علاقة واعية مع الذات، تقوم على الرحمة، والتقدير، ووضع الحدود السليمة.
إن الحرمان ليس قدرًا محتومًا، بل تجربة يمكن تجاوزها بالفهم، والعلاج النفسي، والدعم الإنساني الصادق. فالإنسان يستحق أن يُرى، ويُسمَع، ويُحتوَى، وأي نفس حُرمت يومًا من ذلك، لها الحق أن تتعافى وتعيش بسلام.