مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الجزار

Img 20240221 Wa0101

كتبت: سحرالحاج

تنويه ” بعض أحداث القصة ليست حقيقية

حَلّ عام جديد على حُكم “نابليون بونابرت” و مازال طموحه وهدفه بأن يحتل أرض الشام أراد أن يبدأ بإحتلال «فلسطين»، لينعم بخيراتها من الأخشاب و الحرير للإستفادة منها، أصبح يهمه أن يجمع اليهود في أرضها كما يزعم بأنها لهم و أرض أجدادهم، أقام المؤتمرات والمشاورات لحملته الاستعمارية، كان هدفه بالتحديد مدنية «عكا»، رأى جمال موقعها الإستراتيجي يضمن له السيطرة على بقية مدن فلسطين، وأنها اهم مدن الساحل الشامي وعاصمة فلسطين، بدأ عليه التوتر الشديد، أضحى يدور في مكتبه جيئةً وذهاباً؛ يفكر في صد العثمانيون قبل الوقوف في طريق حملته، في ذاتٍ الأثناء اقترح أحد الجنرالات وهو الجنرال «كفاريلي مات» وهو أكثر دهاء من نابليون قال بعد تفكير:

 

_ علينا حصار عكا قبل التقدم نحوها للقتال، وهي اهم ولايات الدولة العثمانية بهذا نضمن انتصارنا وهزيمتهم في وقتٍ واحد …

 

وافقه نابليون الرأي؛ فهو يعلم ذكاء صديقه هذا يعرف بتدبير الحروب، ومكايد القتال، وله معرفة بالأبنية وكيفية وضعها، وكيف يستطيع أخذ القلاع ومحاصرتها، ابتسم له الحاكم نابليون لدهاءه وفطنته بمعارك القتال نطق بحماسٍ:

 

_ هيا إيها الداهيةُ أرني كيف؟! احتل عكا وأرض الشام ومن فيها.

 

نظر كفاريلي تجاه الطاولة المستطيلة الخشبية، تتوسط قلب المكتب عليها رسم لخريطة “فلسطين” ابتسامة خبيثة زينت ثغره، وثب واقفاً من جلسته متجهاً نحوها يبوح بخبث واضح:

 

_ كل شيء مخطط ومدروس جيداً سيدي الحاكم و أمر الشام ومن حولها سيصبح في قبضتنا عما قريب، والآن سنرى كيف؟! نحاصر عكا…

 

_ سأرسل رسائل إلى كافة مشايخ قبائل جبل نابليس، وإلى حاكم عكا أحمد باشا الجزار لوقف قتال الفرنسيين والعيش بسلام معهم.

 

اجتمع كل الجنرالات يتراسهم نابليون لوضع الخطة للسيطرة على فلسطين …

 

خَطَا نابليون وسط قصر الأليزية الفخم الذي زُينت جدرانه بلون الفضة الداكن يتَدلَّى من سقفه ثُرياتٍ ضخمة ذهبية اللون، وثبتت أرّضهٌ برخامٍ فاخر كلاسيكي، نوافذه الكبيرة عكست أشعة الشمس بخطوطٍ ذهبية جميلة، جعلته أكثر دفئ وجمال! استقبلته زوجته «جوزفين» بحبٍ مُقُبلة نحوه وابتسامة خجوله زينت شفتيها ضمته بشوقٍ لتقول له لائمه:

 

_ يبدؤ أن السلطة تهمك أكثر من زوجتك لم أراك منذ يومين لا أدري لماذا؟؟ لا تهتم بي كما اهتم بك أنا!.

 

قبل خدها مواسياً لها قبل أن يواصلا سيرهما معاً وهو يتحدث لها بودٍ غريب عنه:

 

_ عزيزتي جوزفين تعلمين طبيعة عملي فأنا لا أجد الوقت الكافي للجلوس مع نفسي حتى! أرجو أن تعزريني…

 

****************

 

تلألأت السماء بالنجوم واحتضن القمر قلبها مرسلاً جمال ضوءه إلى أرض من أجمل بقاع الدنيا، الشام الطاهرة التي عمرها الإيمان و حب القدس والجهاد بالقتال؛ من أجل أرضٍ هي أرضُ الأنبياء والرسل حَلّ شتاءٌ قارص، و قبع كل فرداً في منزله لتشعل مداخن التدفئة؛ لتدفئ بردودة أيدي جمدها البرد القارص، وقف «نايف» ينظر من خلال النافذة يفكر كيف تسيرُ الأحوال حول فلسطين هل ينتصر الحاكم؟؟ أم ستكون أرضهم تحت حكم الفرنسيين الطغاة؟! بقى هذا السؤال يدور في رأسه حتى سمع صوت «أمه» من خلفه:

 

_ نايف ما بك يا عزيزي أراك تقف هنا منذ وقت طويل هل هناك ما يزعجك؟!

 

قَبَل يدها بعد أن إلتفت إليها مبتسماً:

 

_ لا يا أمي ليس هنالك ما يهم فقط كنت أفكر في حال بلدنا وأرضنا، لا ندري هل يٌحتلُ القدس؟ ونبقى تحت رحمة أقواماً لا يعرفون الله ولا يخافونه…

 

أومت أم نايف برأسها متأسفه وكأنها لا تجد كلمة لتقولها لإبنها لتروي قلبه الظمأن.

 

أكمل حديثه عندما وجدها قد شردت في فكرها:

 

_غداً لدينا اجتماع لمعظم أهالي المدن المجاورة أخبرني أبي أن نائب الحاكم أرسل له يستنجده المساعدة لحماية الحصن.

 

_ وفقكم الله وسدد خطاكم وأذاقكم حلاوة النصر بإذن الله.

 

قام نايف وأتجه للمجلس ينتظر قدوم والده «الشيخ يوسف الكرار» سمع صوت الباب يُفتح دلف والداه قلب البيت حياه مرحِبا قبل أن يجلسا سوياً يتبادلا أطراف الحديث، كان يشغل بال نايف حال النساء والأطفال كيف ستكون حمايتهم؟ قال متردداً قليلاً:

 

_ اقترح عليك يا أبي أن نخرج جميع النساء والأطفال إلى أرض الخليل عن طريق نفق في اتجاه الجنوب الغربي فهناك قلة من الجنود الفرنسيين نستطيع القضاء عليهم، ليلاً ومع خيوط أول الفجر تغادر جميع النساء بسلام.

 

أيده والداه الفكرة وعزم على إخبار الحاكم بذلك حتى يكون هناك مقاتلين يحمونهم ويبقون معهم في مدينة الخليل.

 

_ لا بأس علينا تدبر الأمر ليلاً وأطرح الأمر على الحاكم غداً بإذن الله…

 

بعد أن سمع «أحمد باشا الجزار» بنزول الفرنسيين للأراضي المصرية، تحسب واستعد لتحصين مدينته عكا، لأنه كان يعلم أن نابليون يريدالإستيلاء على أرضه ولهذا قرر جمع الاهالي ومخاطبتهم في ذلك الشأن، أصوات دق الطبول الملكي يتعالى شيءٌ فشيءٍ في الأجواء، تجمع الشعب حول القصر الكبير في انتظار الحاكم العادل بالخروج إليهم.

 

خرج من قصره وتبعه «عبدالله باشا» ووزراءه تقدم أحمد باشا الجزار مرتدياً عمامته الملكية تعتلي رأسه بشموخ جعلته أكثر وقار و هيبة، إكتسى عباءته الزرقاء اللون من قماش الستان الفاخر، يظهر من تحتها بذلة ذهبية وسروال بلونٍ أسودٍ فاحم وإلتفَّ على خصره حزام بلون زرقه السماء، يمسك بيده اليسرى سيفه البتار رافعاً يمينه لتحية شعبه المناضل، وقف نواب مجلس الحاكم خلفه، يتعالى هتاف الشعب في الأنحاء…

 

_يحي الحاكم …. يحي الحاكم …. يحي الحاكم .

 

ظل رافعاً يده يُحيِهم، وابتسامة جميلة تزين ثغره، عمّ الهدوء أنصت الجميع لما يريد أن يخبرهم به حاكمهم النبيل…

قاص بنظره للعامة يتفحص ملامحهم! قبل أن يتحدث؛ وكأنه يتفرس فيهم الشجاعة والقوة قال بصوت عميق يبث القشعريرة والطمأنئينة…

 

_ أيها الشعب الكريم منذ أن وطِئت قدمي أرض العرب والمسلمين كنت مثلكم عربي بروحي وأجنبي بدمي، حب الإسلام والمسلمين جعلني أقف هنا اليوم أمامكم وأنا حاكم لأرضكم أيها الشعب المناضل يا: أبطال فلسطين حماة القدس، أسياد الشهادة في سبيل الله! أنتم كما عرفتكم لا تخافون في الله لؤمة لائم، عاهدتم وبايعتم على القتال و الموت في سبيل الله من أجل الحق، وفداء الأقصى والنصر لكم بإذن الله، كلنا اليوم نقف هنا لنتعاهد من جديد ونبايع من أجل حماية القدس وأرضنا؛ لأنها عربية وستبقى عربية، من العدو المحتل الكافر الذي يريد سحق روؤسنا لتكون أرضنا له لكن لن يحصل على مبتغاه ما دومنا يداً واحده، فأنا وأنتم سنهزم تلك الحملات الفرنسية التي تريد القضاء علينا فهيا نقاتل من أجلنا ومن أجل حقنا المسلوب…

 

صفق الشعب بقوة وهم يهتفون، والحماسة بادية على وجهوهم!.

 

_ يحي الحاكم …. يحي الحاكم … النصر لنا …. النصر لنا

 

واصل الحاكم أحمد باشا الجزار حديثه بعد أن أطرق الجميع يسمع له من جديد:

 

_ لن نسمح لهم بإحتلال عكا ولن نغفر لهم ما أحدثوه في مجزرة يافا سنرد لهم الصاع صاعين، حصن مدينتنا قوي لن تهدمه المدافع ولكوننا نستطيع حمل السلاح والقتال لن نخاف من رسائلهم المهددة لنا فالأرض أرضكم والقتال قتالكم والنصر لكم بإذن الله … والسلام …

 

بعد أن أنهى الجزار خطابه غادر متجهاً نحو مجلسه، ويتبعه النواب والوزراء أمرهم بتشديد القوة حول أسوار عكا وبعث برسالة إلى الشيخ يوسف الجرار شيخ جبل نابليس، وطلب منه أن يرسل لمشايخ قبائل جبل القدس وعجلاون والبلقاء والكرك والبلقاء؛ يدعوهم إلى المساعدة والوقوف بجانبه لحماية فلسطين، في تلك الفترة ظل أحمد باشا الجزار برفقة مستشاره «حاييم فرحي» يتحاور معه في كيفية الهجوم على العدو، فاقترح حاييم بعد تفكير دقيق قائلاً:

 

_ الحصار على المدنية يأتي من الشرق والغرب وإذا حاولنا مباغتتهم من الخلف سنقضي على جنودهم في وقت وجيز وفي تلك الأثناء يتقدم جيشك من خلف الأسوار ويباشر القتال بهذا نكون قد حققنا نصراً عظيم!

 

أيده الحاكم الجزار الخطة ورأى أنها ستحقق نصراً ساحق ومؤيدٍ، قال وهو يمشط شاربه بيده ويمسح بالأخرى على ذقنه:

 

_ يبدؤ أن نابليون هذا سيقع أمامي كالفرخ المبلول حتى اطلق سراحه…

 

صمت للحظات قبل أن يستطرد حديثه:

 

_ أما النصر وأما الشهادة لن يكون غير ذلك ما دومتٌ أتنفس هواء القدس!

 

طرق الباب لحظات ودخل بعدها عبدالله باشا ومعه يوسف الجرار حيوّ حاكمهم وجلسوا يتحدثون في حماية عكا من الداخل والخارج، وتوزيع جيوشهم بادر الشيخ يوسف يخبرهم:

 

_بعثت برسائل إلى كافة مشايخ القبائل في جبل القدس والمدن المجاورة وأكدو لي بالوقوف معانا، وأرسل أغلبهم فرسان ما يقارب “السبعة الف مقاتل” إلتقيتهم في “قلعة صانور”، وجلست معهم وضعوا خطة لقتال العدو في أثناء تقدمهم نحو عكا.

 

أوما الجزار رأسه مؤيداً صدق قوله لينطق بعد لحظات من صمته:

 

_ هذا تخطيط مبهر! علينا الهجوم عليهم قبل وصلوهم إذاً.

 

قال عبدالله باشا موجهاً حديثه للمستشار حاييم:

 

_ هل هذا سيغير في مسار الخطة حول الحصن شيء؟

 

_ لا لقد ذهلت حقاً بفكرة قتالهم أثناء تقدمهم هذا يضمن لنا النصر إن شاءالله!.

 

وأكمل عبدالله باشا قائلاً :

 

_ وأنا سأتقدم بمجموعة مقاتلين كذلك، هذه أوامر من الدولة العثمانية بصد الهجمات، وهناك أسطول بحري جاهز بقيادة «ويليام سميث»، ووصلنا خبر عن «أنطوان دفلييو» الخبير المدفعي يقوم بتدريب رجال الحامية بعد أن نقل قطع المدفعية الفرنسية إلى حامية عكا.

 

تحدث الحاكم الجزار مؤكداً:

 

_ بعث لي أنطوان برسالة يخبرني فيها ذلك…

 

حتى النساء في قصر الحاكم وفي جميع أنحاء المدينة استعدوا لمجابهة العدو بعد أن دام الحصار لأسبوعين كان الخروج من حصن عكا أمر صعب للعامة، وإدخال المؤن وما يلزمهم من طعام كان عصيب ولكن بعثت لهم الدولة العثمانية بالنجدات لمساعدتهم بحراً و براً.

 

***************

 

وصل «الجنرال بون» القصر وتوجه إلى غرفة البودوار الفضية قبل بدء اجتماعهم، وبدأ عليه الإنزعاج والتوتر ظل واقفاً مكانه يجفف بمنديلهٌ حبيبات العرق العالقه على وجهه، تفرس في وجوههم قبل أن يخبرهم:

 

_ لقد تم القبض على معظم جنودنا المتجهين إلى فلسطين والبعض قتل أيضا وغنمت الخيول والمدافع وبقية الأسلحة.

 

رمى نابليون ثقاب سجارته أرضا داهساً عليها استشَاظَ غضباً وكوّر قبضة يده بقوة ضارباً الحائط أمامه وقال من بين أسنانه:

 

_ سأوريكم من هو بونابرت سأنفخ روح الثورة في فلسطين وغيرها من بلاد الشام التي أرهقتها مظالم الجزار.

 

ربتت جوزفين عليه حتى يهدأ من ثورة غضبه، نفض يدها وغادر البودوار مخالفاً وراءه توتراً عند الجميع، قامت أخته «إليزا» من مكانها تقول بغرور وعجرفة:

 

_ لن يحصل على طموحاته مادام يتصرف هكذا!

 

زمت جوزفين شفتيها ولم تعرها بالاً إكتفت بالنظر إليها من أغمص قدميها حتى أعلى رأسها، كل منهن لا تطيق الأخرى جوزفين تحب السلطة والتملك، تطمح أن تكون مثل زوجها بونابرت، وتحمل لقب ملكة العالم، أما إليزا فكان كل ما يهمها هو مظهرها و طريقة تجذب بها الإنتباه إليها…

 

توجه نابليون إلى قصر «التوليري» حيث يستمع إلى موسيقى الكونشرتات، استقبلته معشوقته «ماريا فاليفكسا» تتراقص على معزوفة كونشرتات، لم يهتم بها هذه المره بل جلس بعد أن تناول كأس كحول من ابن أخيه «جوزيف» يقول له:

 

_ أنا الذي سيحكم أرض الشام، وأحول الدولة العثمانية إلى رماد تحت قدمايّ، وأسحق جميع حكام مصر ومن حولها.

 

ضحك ابن جوزيف من جنون عمه محدثاً نفسه:

 

_ عمي هذا حَلتّ عليه لعنة السلطة لا غير يضحكني كثيراً عندما أراه رافعاً أنفه هكذا!

 

بقى في مكانه لوقتٍ طويل يشرب كأساً وراء أخرى حتى أحس بدوار شديد حوله، قام يترنح يمنى ويسرى ويهذي بكلماتٍ غير مفهومه، ساعده “بون” يستفيقه عندما جاء ورأى سيده في غير وعيه…

 

استعد نابليون لحملته التاريخية بعد أن أحدث تلك المجزرة في يافا، ظناً منه أنه يبث الرعب فيهم ويحدث هزة نفسية ويشع الهلع بينهم حتى لا تقوم لبقية المدن قائمة بعد ذلك، ليسهل له إحتلال الشام ومن حولها، سار بجيشه منطلقٍ نحو عكا… ومعه أخاه «لويس و جوزيف» لمشاركته النصر المزعوم، إلتقى في منتصف طريقه بأسطول ضخم يقارب عدد سفنه الحربيه أكثر من خمسمائة سفينة، وقاد الجنود براً الجنرال كفاريلي بعد أن لمع صَيتُهُ بين الجنود الفرنسين بأنه هو اليد اليمنى لنابليون، قام يتحدث إليهم بحماسٍ وصوت قوي:

 

_ علينا الهجوم عليهم قبل أن يُسارعو أولاً، سنضرب حصنهم حتى نهدمه فوق روؤسهم …هيااا إلى الأمام.

 

اقترب نابليون بحشوده قرب أسوار عكا وزود من الحصار ومنع دخول إي مساعدات لأهالي المدنية، تلفت ينظر حوله وأحلامه تتعالى مع نظراته، سيحتل هذه المدنية العظيمه ويواصل سيره شمال الشام، ضحك بصوت بشعٍ أشبه بصوت وحش في غابة مظلمه قضى فيها على فريسته بعد مطاردة دامت طويلاً ظل يضحك حتى أصابه السُعال ونطق من بين سُعاله:

 

_ تباً لك أيها الجزار الهرم من تظن نفسك، لن يبقى لك إلا القليل حتى أقضي عليك للأبد أنت وسلطانك العثماني ذاك!….

 

قام بإرسال رسالة إلى الجزار طغى عليها الكبرياء والغرور يخبره فيها:

 

_”إنني الآن أمام قلاع عكا، ولن يكسبني قتل شخص هرم مثلك شيئاً … لذا لا رغبة لي في الدخول معكم في معركة هوجاء … لهذا كن صديقاً وسلم هذه المدنية دون إراقة دماء..”

 

**************

 

عندما علم الجزار باقتراح نايف بإخراج النساء والأطفال إلى مدنية الخليل؛ وافق على الفور ورحب بفكرته وأمره بأن يشرف على مغادرتهم، وبعد ذلك يعود لينضم إليهم، وافق نايف وأخذ معه ما يكفي من الفرسان وكان أغلبهم من فرسان قبائل جبل القدس، استطاعوا إخراج النساء والأطفال في منتصف الليل بعد أن شاركتهم الأميرة آثيل ابنة الجزار، ساعدت النساء في بث الأمان في قلوبهم ظلت معهم، آثيل من أجمل فتيات عكا! تدربت على حمل السلاح، فكانت تشارك الجنود في التدريب والإشراف عليهم مع والداها، أعجب نايف بشجاعتها و تعلق بها كثيراً، رغم شجاعتها ومناضلتها إلا أنها بقية معهم فلم تغادر مكانها ظلت مع النساء طيلة الوقت …

 

بعد أن رأى الجزار مدة الحصار دامت لثلاثة أشهر قرر إدخال مساعدات وصلته من مصر ولبنان؛ لهذا تمكن من الحفاظ على المؤن الموجودة داخل مدينته، خرجت حملة قادها ابنه «داوود» ومعه «وليام سميث» متجهين لحماية عكا بحراً، أرسلو رسائل الاستغاثة والاستنصار إلى كافة الولايات والمدن فجاء لهم “ثلاثين الف مقاتل” ظلوا حول البحر لأكثر من أسبوعين في إنتظار الأسطول الفرنسي، وبعد أيام مرت وصلت رسالة تهديد للحاكم الجزار من بونابرت، أرجع له الرسالة برداً استفز نابليون وجعل الدماء تسيل في عروقه وتحمر عيناه من الغضب…

 

أراح الجزار جسده على فراشه بعد يوم طويل يستعد لغداً مشرقاً لأرضه الفلسطينية الحرة الابيه، وقفت «مريم» زوجة الجزار تمسج رأسه بيدها وتشجعه:

 

_ لن تهزم لطالما الله معانا ويرأى كل شيء لن تكون أرض الأنبياء في أيدي هؤلاء اليهود الذين أتى بهم هذا النابليون…

 

ابتسم لها بودٍ يؤكد صفوّ حديثها:

 

_كذلك سيكتب في التاريخ يوما ما، عندما هزم الجزار نابليون وأطاح به أرض فهرب مثل الجرو الصغير!.

 

تعالت ضحاتهم معاً حتى سالت الدموع من عينيهم من شدة الضحك، قالت مريم تغالب ضحكاتها:

 

_ هداك الله لم أضحك هكذا منذ وقت طويل، هل قلت يهرب مثل الجرو الصغير؟!

 

أجابها الجزار بعد أن غلبه النعاس والضحك:

 

_بعثت إليه برسالة مردودة فأخبروني أنه لم يتمالك نفسه من الغضب فمزقها قطعاً صغيرة…

 

_ماذا رددت عليه فيها حتى غضب هكذا؟؟

 

قلت له فيها “نحمد الله تعالى لكوننا قادرين على حمل السلاح … وقادرين على الدفاع على ديننا وبلدنا… إنني أنوى أن أقضي الأيام القليلة الباقية من عمري في الجهاد ضد الكفار”

 

ضحكت زوجته مريم حتى بدت نواجذها:

 

_ رسالة مستفزة جدا بالنسبة له….

 

تعالت أصوات المدافع الفرنسية تصب حممها حول الأسوار والقلاع، منذ الصباح الباكر ردع الجنود الفلسطينين الطلقات النارية، وأطلقوا عليهم النيران من جميع الاتجاهات، بقى نابليون صامد ويصرخ عالياً:

 

_ لقد أصبح من الواضح أن هذا الشيخ الهرم سيكون سببا في ضياع بضعة أياما منا … ولكن لا بأس … لا تقلقوا …سنكون بعد يومين في هذه المدنية ونلقنهم درساً لن ينسوه أبداً ….

 

لم تنجح توقعات نابليون فرغم عددهم الكثير، بعد وقتاً جاءت الحامية العثمانية تشق طريقها وتضرب الجنود المحتلين الفرنسين قتالاً شرساً، بقيت المعركة دائرة لأيام مرت ومازال الجزار و جنوده يقاتلون بقوة وبسالة، حتى يأتي الليل ليقوم جميع أفراد الحامية بسد الثغرات التي خلفتها مدافع الفرنسيين على جدران الأسوار.

 

مع أخر خيط من سواد الليل، وأول خيط يتألقه الصباح يرى نابليون أن أماله قد تبخرت أدارج الرياح، عندما فشل في هدم القلاع، يجلس يفكر لساعاتٍ طويلة لتقفز في عقله فكرة؛ أن يعقد مشاورات مع ضباطه فأرسلو رسالة إلى القائد العثماني، أراد أن تتم مفاوضات بين الطرفين.

انطلق «شارل زكاييه» و الوفد الفرنسي إلى الحاكم الجزار ومعه رسالة من نابليون يقول له:

 

_ يخبرك سيدي الحاكم نابليون أنه لا فائدة من المقاومة ولهذا يطلب سيدي أن تتوصلوا معه إلى إتفاق حتى لا تسفك مزيد من الدماء، يخبركم كذلك أنه يقبل خروج القائد العثماني وخروج جميع حاميته مع أسلحتهم دون التعرض لهم؛ وعليهم التوجه إلى إي أرض يريدون!

 

بعد أن استمع الجزار الرسالة من رئيس الوفد الفرنسي حتى أكمل كلامه قال بعد صمت قصير:

 

_ لم تقم الدولة العلية العثمانية بتعييني وزيراً وقائداً، لكي أقوم بتسليم هذه المدنية إليكم؛… إنني أحمد باشا الجزار لن أسلم لكم شبراً من هذه المدنية، حتى أبلغ مرتبة الشهادة!

 

عندما وصل رد الجزار إلى اسماع نابليون أصابه اليأس، وقرر أن يفكر بخطة أخرى فأمر جنوده بوضع عشرات من المشاعل ليلاً، وتكون قرب أسوار المدنية حتى لا يستطيع المدافعين فعل شيء، ويستمر القصف عليهم ليل نهار نجح في ذلك حتى فتحت ثغرات في ناحية من السور، حاول الجنود الدخول منها، ولكن هجم عليهم جنود الحامية العثمانية من حراب وسيوف ورصاص، وتوسطهم “الجزار” يقاتل بسيفه وأراق كثيراً من دماء الفرنسين، ويصرخ بصوته مشجعاً جنوده!

 

_ أثبتوا في أرضكم فلسطين لكم والقدس لكم، الفداء من أجله أما النصر وأما الشهادة …

 

وتواصلت المعركة لأيام حتى قل عدد جنود نابليون وأصبح أمر انتصاره مستحيلا، وقتل كفاريلي بضربة من عبدالله باشا فأرداه قتيلاً في الحال …و قتل نايف الجنرال بون برصاص من أعلى برج في الحصن، عندما رأه الجزار حياه من مكانه وواصل قتاله

للكفار حتى ظنوا إنه لم يبقى منهم أحد!

 

قاتلوا بشجاعة وبسالةٍ، وسالت الدماء هنا وهناك، كان الجزار جزاراً بسيفه في أرض المعركة الدامية قضى على كل من أمامه حتى وصل لنابليون وأمسك به، رمى الأخر سيفه ورفع يده معلناً خسارته مستسلماً تركه الجزار أرض قائلا له:

 

_ لن تكون فلسطين أرض لليهود والكفار، أرض الشام عربية وستبقى عربية، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، لن تقوم لكم قائمة في أرض القدس سيأتي من بعدي من يحافظ عليه كما أفعل معكم اليوم! خذ بقية جنودك وغادر أرضنا دون رجوع….

 

وبعد أن دام الحصار والقتال لمدة “أربعة وستين” يوما قرر نابليون فك الحصار حسب جنوده يلملم جراح جيشه، ويجر أذيال الفشل، يعلن انسحابه أنه هزُم من قبل قائد عثماني عجوزٌ هرم في السبعين من عمره!

 

ضربه نايف من الأعلى بحجر على رأسه قائلا:

 

_ لا تفكر مرة أخرى بإحتلال أرضاً ليست لك إيها الكافر اللعين إذهب ولا تعُد…

 

عادات النساء لبيوتهن، وإحتفل الجميع بالنصر، وعاد الشيخ يوسف إلى بيته ويحمل معه نصراً مؤزراً ورأى إقدام ابنه نايف مع الجزار في المعركة، وعرف أنه معجب بابنة الجزار ولكن هذا أبعد ما يطمح له ابنه…

 

أعاد الجزار ترميم أسوار المدنية بالحجارة التي خلفتها الزلزل قديماً، وعلا صيته في جميع البلاد العربية أقام وليمة ضخمة دعا إليها كل مشايخ القبائل احتفاء بالنصر، وعلى هذه المأدبه زوج ابنته أثيل من نايف!

 

“وبقيت هذه المعركة من أعظم معارك التاريخ التي هزم فيها الامبراطور نابليون بونابرت شر هزيمة”.