بقلم \ خالد محمد شعبان
الازدواجية في السلوك بين العلن والخلوة
يطرح الكثيرون تساؤلاً جوهرياً حول سر تشديد المجتمعات على الالتزام بالأخلاق والقيم أمام الناس، بينما قد يتساهل البعض في توجيه الفرد لما يفعله في خلوته، وفي المقابل نجد أن الدين قد حذر بشدة من “ذنوب الخلوات” وجعلها أعظم جرماً، وحثّ على الفضيلة في السر والعلن، فما هي الحكمة من الالتزام في الحالتين؟
أهمية الانضباط السلوكي أمام المجتمع
تكمن أهمية الظهور بمظهر لائق أخلاقياً أمام الآخرين في ثلاثة محاور:
الانطباع الذهني والمكانة الاجتماعية حيث يُعد السلوك الخارجي الواجهة التي يحكم من خلالها المجتمع على الفرد، فالالتزام بالخلق القويم يمنح الفرد “تزكية” اجتماعية، مما يفتح له أبواب الفرص في العمل والزواج والتعاملات اليومية، ويجنبه مواضع الشبهات.
منع شيوع الفساد لأنه عندما يمارس الفرد سلوكاً خاطئاً في العلن، فإنه يساهم في “تطبيع” الخطأ، فالسجائر مثلاً بدأت كفعل مستتر، ولكن مع الترويج الدرامي لها أصبحت سلوكاً معتاداً رغم أضرارها، إن الحياء من الناس يمنع تحول الخطأ إلى “ظاهرة عامة”.
ترسيخ القدوة للنشء إذ يكتسب الأطفال أخلاقهم بالمحاكاة لا بالنصح المجرد، فحين يرى الطفل مجتمعه ملتزماً بفضيلة ما، فإنه يتبناها كجزء من تكوينه النفسي، فالأب الذي يتجنب التدخين أمام ابنه يحميه من التجربة، بينما الأب الذي ينصح ابنه بتركها والسيجارة في يده، يقدم له رسالة متناقضة تدفعه للتمرد.
أهمية الانضباط الذاتي وأخلاق الخلوة
لماذا يجب أن ألتزم حين تغيب عيون الناس؟
الإنسان الذي يكتفي بتمثيل الأخلاق أمام الناس سيقع حتماً في فخ التناقض عند أول اختبار حقيقي أو لحظة غضب، أما من جعل الأدب طبعاً ذاتياً، فسيظل ثابتاً في كل الظروف؛ لأن انضباطه نابع من الداخل لا من الخوف من حكم الآخرين.
الالتزام النابع من الإيمان يكون أعمق وأبقى، فالمؤمن يراقب نية قلبه قبل مظهر جسده، وهذا يحرره من ضغط المجتمع ويجعله في حالة سلام نفسي، إذ لا يبتغي بفعله رياءً ولا سمعة، بل يطلب رضا الخالق وحده.
إن الوصول لمرحلة “الهداة المهتدين” يتطلب طهارة القلب في السر، فالإنسان الصالح في خلوته يفيض نوره على من حوله بشكل تلقائي، ويصبح قدوة مؤثرة دون عناء.
إن تقوى الله في السر والعلن هي السبيل الوحيد لبناء شخصية متزنة ومجتمع فاضل، كما أن المحاسبة الذاتية هي الأداة التي تميز المؤمن الصادق، فالتحدي الحقيقي ليس في أن تكون “تماماً” أمام الناس، بل في أن تكون صادقاً مع نفسك ومع خالقك.






المزيد
الزواج المبكر: حين يدفع الأبناء ثمن طفولة لم تكتمل
الموسيقى الهادئة: مفتاحك السحري للسكينة وسط ضجيج الحياة
هوارة… قبيلة العزّ الممتدّ في جذور الصعيد/بقلم /سعاد الصادق