مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

أُريدُ نُسَخًا مِنّي

Img 20241105 Wa0054

 

كتبت ملاك عاطف

أنا ملاك، شابّةٌ وَدَّعْتُ الطُّفولةَ مُنذُ سبعةِ أعوامٍ خَلَتْ، لحظةَ الوَداعِ كانت مؤلِمةً جِدًّا، بكَيْتُ كثيرًا، عانَقْتُها؛ فَقَبَّلَتْني، انحَدَرَتْ مِن سفحِ مدمعي القَطرةُ الأولى؛ فهدَّأَتْني، نظرْتُ إلَيْها بِعَيْنَيْنِ راجِيَتَيْنِ؛ فصافَحَتْني وشَدَّتْ على يدي وطمأنَتْني.

حدثَ هذا كُلَّهُ أمامَ العَقارِبِ الثَّلاثةِ الجالِسةِ مكانَ الجُمْهورِ تُشاهِدٌ بانْتِباهٍ شديدٍ دراما الفِراقِ الآسِرة، عقرَبُ السّاعاتِ اكتَفى بِوَضْعِ يَدِهِ على خَدِّهِ والانفِصالِ عَنْ واقِعِهِ؛ لِفَرْطِ اندِماجه، وعقرَبُ الدَّقائِقِ كانَ يُفَكِّرُ بِطَريقةٍ يُعيدُني فيها إلى الوَراءِ قَليلًا، أمّا عقرَبُ الثَّواني، فَلَمْ يمنحهُ قانونُ الزَّمَنِ البندولِيِّ فُرصةً لِتَحْسينِ حالي، ولم يملِك لي سِوى الأسَفِ على سُرْعَةِ دورانِهِ الفائِقة.

كانَ ذاكَ الوَداعُ هُوَ أدفأُ وأحَّنُ فِعْلٍ يُؤَدّى على خَشَبةِ مسرَحِ الصِّدق، لِدَرَجةِ أنَّ السُّنَنَ الكَوْنِيّةَ بارَكَتْ وُدَّنا وأثْنَتْ على ما بدَرَ مِنّا مِن عُذوبةِ المَشاعر.

أتَذكَّرُ أنَّ طُفولَتي استَدارَتْ على عُجالةٍ قبلَ أن تختفِيَ عن مرمى بَصَري وهتَفَتْ: “تركْتُ لَكِ تذكاراتِ الْبراءةِ والمَرَحِ وخِفّةِ الظِّلِّ والرِّقّةِ في غرفتك، عودي إلَيْها كُلَّما افتَقَدْتِني”

لماذا؟ لماذا لم تتْرُكْ لي بقِيّةَ ما كان؟ لماذا لم تدَعْ لي نُسخةً مِنّي وأنا بِنتُ السّابِعةِ أُمَثِّلُ مسرحِيّةً تحتَ الأضواء؟ وأُخرى لي وأنا أُنءشِدُ بمِلءِ إحساسي وعواطِفي الجيّاشةِ في الطّابورِ الصَّباحِيّ؟ لِماذا غادَرَتْ بِصَوْتِ نُصوصي الدّافِئِ الرَّقْراق؟ هل كانَتْ تنْطَبِقُ علَيْها أحْكامُ دينِنا هِيَ أيضًا؟ ألا يُمْكِنُنِ السَّفَرُ إلَيْها عبْرَ بحْرِ الحَنينِ؟ ولا عبرَ فضاءِ الأشواق؟

أحتاجُ نُسخًا مِنّي أوِ انْعِكاساتي على مِرآةِ المَسْموحِ وأنا صغيرة؛ كي أُعَبِّرَ عن كياني كما أشتَهي، أُريدُ أن أزورَني وأنا صَغيرة؛ كي أشْحَذَ هِمَّتي، وأشحَنَ طاقَتي لِأُواصِلَ المَسير.