كتب: هاني الميهى
ولكنك لا تعرف شعور أن يكون وطنك محتلّ، أن يقبع عنوانك تحت أكوام من الهدم والركام والحجارة فلا تخرج منه إلا وحيدًا براية بيضاء مرفوعة، لا تكفيك لدفع الموت، أن تنسرب من بين يديك ذاكرة البيت، وأن يتلقفك العدم لخسارة أولئك الذين كانوا لك هم كل البيت، أن تتحسس عمرك لتسكب ما تبقى لك منه بين زاوية مثلجة لخيمة عارية في خضم القصف.
ولكنك لا تعرف شعور أن يكون وطنك محتلّ، أن تخبر البرد أن عظامك ما عادت محتملة نخره، وأن تخبر الجوع أن طابور المساعدات الشحيحة لا يزال طويلاً ومكتظًا ومستنفرًا وأن حصتك منه قد لا تأتي أبدًا، وأن تخبر الموت بأنك تأمل بألا تجده واقفًا بنهاية الطابور لأنك وعدت أطفالك أن تعود إليهم بما يسد عويل بطونهم ولو برغيف تِبن، وألا تملك أن تُجنب نفسك الخجل لأن لا خيار لديك إلا بمزاحمة البشر لنيل حيز ضيق بدورة مياه جانبية شبه مكشوفة، وأن تخبر شجرة الزيتون العتيقة أن الماء رفاهية وأن العطش بئر لا ينضب ظمؤه، أن تخبر الصقيع أن ليس لديك معطف وأن ما عاد موجود من أفراد عائلتك من يدفئ كتفيك حين يهيئ لك من ذراعيه المرتجفين ضمة حِضن، أن تخبر مسافات النزوح أن ليس لديك حذاء وأن قدميك المنقطتين تؤلمانك من فرط التنقل المنكوب المطرد في فوضوية مقصودة، أن تخبر المطر بأن يؤخر طوفانه لأن الخيمة رطبة والشمس لا تشرق في عتمتا بلادك، وأن تخبر النوم أن صوت الذنانات المتواصلة فوق رأسك يهش عنك الحلم المستحيل ويحرمك قليل الغمض.
ولكنك لا تعرف شعور أن يكون وطنك محتلّ، أن تخبر أزمنة الحصار الممتدة بلا نهاية بأن الصبر جنون، وأن تخبر التعب بأنك تعبت فلا يشعر بتعبك سواك، وأن تخبر الأمل بأنك يأس لفرط ما صارت أماني السلم ضاربة في المحال، أن تخبر مواسم الطاعات أن ليس لديك ماء يصلح لوضوئك، وأن ليس لديك شق تمرة تكسر بها صيام ستة أشهر من التجويع وانتظار الموت جوعًا، أن تخبر الخذلان بأن الكلمة قوة لكن العالم من حولك مغلول الألسن بينما صوتك مشروخ مبحوح يضيّعه هدير القذائف في المدى، وأن تضحك بوجه خطابات الزعماء العصماء تلك المزينة بشعارات الحرية لأن لا معنى لها، وأن تخبر العالم الكاذب أن اكتفينا منكم ومن هراءكم، فقط أوقفوا الإبادة الآن،
فقط أوقفوا الحرب!!






المزيد
كأنها خلقت لتتنفس بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر
الاستسلام الاضطراري بقلم سها مراد
بعد حضور الظلام بقلم رؤي خالد محمد