مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

أنفاسُ الغيب بقلم أمجد حسن الحاج

أنفاسُ الغيب

بقلم أمجد حسن الحاج

 

ليست كلُّ الكتبِ أوراقًا تُقلَّبُ ثم تُطوى، فثمَّةَ كتبٌ تُشبهُ الأبوابَ الموصدةَ في آخرِ ممرٍّ طويل، تقفُ أمامَها متردِّدًا، لا تدري أأنتَ مقبلٌ على معرفةٍ جديدةٍ أم على دهشةٍ تُغيِّرُ ما ألفتَه من تصوُّرات. ومن تلك الكتب ما لا يكتفي بأن يملأ الذهنَ بالمعلومات، بل يوقظُ في النفسِ أسئلةً كانت نائمةً في أعماقها.

 

يأخذُك أنفاسُ الغيب إلى مساحةٍ تتجاوزُ ظاهرَ الأشياء، حيثُ تتلاقى الحيرةُ مع التأمُّل، ويغدو السؤالُ أكثرَ قيمةً من الجواب. فكلُّ صفحةٍ فيه تُشعركَ بأنَّ وراءَ المشهدِ المألوفِ عالَمًا آخرَ لا تُدركُه الأبصارُ بسهولة، وأنَّ الإنسانَ مهما اتَّسع علمُه يبقى واقفًا على شاطئِ المجهول، يُحدِّقُ في أمواجِ أسرارٍ لا تنتهي.

 

ولعلَّ أجملَ ما في الرحلةِ ليس الوصولَ إلى يقينٍ نهائيٍّ، بل اكتشافُ حدودِ الذات، ومعرفةُ أنَّ الحكمةَ تبدأُ حين يُدركُ المرءُ أنَّ في هذا الكونِ من الأسرارِ ما يفوقُ قدرتَه على الإحاطة. وهكذا يتركُ الكتابُ أثرَه في قارئه، لا بضجيجِ العبارات، بل بما يزرعُه من تأمُّلٍ عميق، فيمضي القارئُ بعد الفراغِ منه وهو يحملُ في قلبِه أسئلةً أكثرَ، لكنَّه يحملُ معها بصيرةً أوسعَ ونظرةً أبعدَ إلى الحياةِ وما وراءَها.