مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

أنتِ لي بقلم هاني الميهى

أنتِ لي بقلم هاني الميهى

 

لم تكن الحكاية حُبًّا فحسب، كانت محاولةً لفهم المعنى الخفيّ في اتّحادٍ لا يكتمل.

كنتُ أراهم – هما الاثنان – كما تُرى اللوحة قبل أن تجفّ ألوانها،

كأنّ القدر كان يُجرّب بهم شكلاً جديدًا من التلاقي،

فيكتب به نصًّا عن الإنسان حين يخطئ في توقيت الشعور.

في البدء، لم يكن بينهما سوى الضوء.

ضحكة صغيرة، خطوة عابرة، وفضول لم يُسمَّ بعد.

تجاورا كطفلين يكتشفان الوجود دون نيةٍ أو وعي،

فأنبتت البراءة أول جذور الحنين.

لم يكونا يُدركان أنّ القلب، حين يتعلّم اسمًا واحدًا،

يُصبح غريبًا على كلّ ما سواه.

مرّ الزمن، فامتدّت المسافة بينهما كما تمتدّ الظلال آخر النهار،

وتحوّل اللعب إلى وعد، والوعد إلى انتظار،

والانتظار إلى صمتٍ يشبه الخشوع.

لم يكن الحبّ ينمو، بل كان يتراكم في اللاوعي،

يُربّي نفسه من بين التفاصيل الصغيرة،

من نظرةٍ تأخرت، ومن كلمةٍ لم تُقال،

ومن خوفٍ أن ينهار السحر إن نُطق بالحقيقة.

وحين التقيا بعد أعوامٍ كثيرة،

كان كلٌّ منهما يحمل قلبه على هيئة أطلال.

تعانقت العيون، لكن الدهشة كانت قد شاخت،

وتبدّلت المعاني كما تتبدّل خرائط الروح بعد كل حرب.

أرادا أن يرمّما ما تهدّم، لكن البناء العاطفيّ لا يُرمَّم،

فهو كالماء، إن سال، لا يُعاد إلى مجراه الأول.

أحبّا مجددًا، لا لأن الحبّ عاد، بل لأن الذاكرة لا تنسى طريقها.

غير أنّ الزمن – هذا الصياد الخفيّ – كان أسرع من مشاعرهما.

أخذ منهما وهج البدايات وترك فتات الطمأنينة.

صار الحنين مهنةً يومية، وصارت الذكريات كالعُملات القديمة،

لا تُنفق، لكنها تُحتفظ بها في جيب القلب.

وحين جاء الفراق، لم يكن طعنةً، بل انتهاءَ نشيدٍ جميلٍ طال أكثر مما ينبغي.

الآن، بعد أن انطفأت الأضواء،

أراهم من بعيد كأنهما سطران في كتابٍ منسيّ.

هي تمضي بخطى خفيفةٍ كمن تحاول ألا تُوقظ الحنين،

وهو يقف في المنتصف، يحدّق في اللاشيء،

يتذكّر أنّها كانت له يومًا،

لكنّ اليوم لا يملكه أحد.

الحبّ — يا سادة — لا يُشبه ما نظنّه.

إنه ضيفٌ يسكن القلب دون استئذان،

ثم يغادر حين نغلق الباب خوفًا عليه.

يتركنا نحرس الفراغ باسمه،

ونكتب عن الغياب كأنّه كائنٌ حيٌّ ما زال يتنفّس بين السطور.

تلك هي الحكاية التي شهدتها.

لم أشارك فيها، لكنّي عرفت منها أن الإنسان لا يملك سوى لحظاته،

وأن “أنتِ لي” لم تكن وعدًا… بل كانت وهماً جميلاً صدّقه قلبان.

والآن، بعد أن جفّت الألوان على اللوحة،

أدرك أن الجمال الحقيقي لا يعيش في اكتمال الصورة،

بل في ارتجاف اليد التي رسمتها ذات يومٍ… وهي ترتجف من الحبّ.