كتبت منال ربيعي
… ابنة النور، وسليلة الملوك، أنجبتني نفرتاري، زهرة الينابيع المقدسة، وأحبني رمسيس، الإله الذي يمشي بين الرجال. وُلِدتُ في طيبة، حين كانت الشمس تحنو على الأرض، وكان المعبد يتنفس بنبض آمون. لم أكن مجرد أميرة، بل كنت نغمة في ترتيل الكهنة، وظلاً على جدران المعابد، كنت العذراء التي نذرت جسدها للبخور، وروحها للصلاة.
أحببتُ أبي، لا كما تحب الابنة أباها، بل كما تحنّ الروح إلى أصلها. كان وجهه عند الفجر يشبه الإله، وكان صوته حين يهمس باسمي يجعل النيل يسكن، والريح تسكت. كنت أراه كبيرًا، ثم أراه صغيرًا بين يديَّ، رجلًا، ثم نجمًا، ثم قدرًا لا يُرد. أحببته لأنه كان رمسيس، وأحبني لأنني كنت مرآة نفرتاري التي خلدها في الحجر، ثم وجدها فيّ من جديد.
وأمي؟ كانت وجه الحياة. كانت تتعبد بأنوثتها، وتقدّس قلبها، تعلّمت منها أن الملك لا يُولد على العرش بل في الطهارة، في نظرة العين، وفي كلمة تُقال همسًا لآمون. قالت لي: “كوني ظله، لا صوته… كوني صلاته، لا سيفه… كوني ميريت آمون.” فكنتُ.
تعلّمت الرقص لا لهوى الجسد، بل لفرح الإلهة حتحور، كنت أتمايل كما تتمايل السنابل في وجه نسيم السماء، وكل خطوة مني دعاء، وكل التفافٍ على قدميّ تعويذة طهارة. حملت السيستروم بيدي، واهتزت الأصوات بين الأعمدة، وصعد البخور، وابتسمت حتحور، وقلت لها: “أنا لكِ كما أنتِ لي، جسد طاهر، وفرح أبدي”.
رفضت كل من طرق باب قلبي، لم يكن لأحد فيه موضع سوى أبي وآمون، لم أُخلق للحب الأرضي، بل لليقين السماوي. قالوا: “ميريت آمون، اقبلي العرش”، فقلت: “معبدي أوسع من عرش، وصلاتي أعلى من تاج”. قالوا: “تزوجي”، فقلت: “أنا متزوجة من النور”.
أحبني أبي، كما يحب السرّ كاشفه، وضمّني لا امرأة، بل كاهنة. دخلت قدس الأقداس معه، لا كزوجة، بل كقربان طاهر، وقدّمنا أنفسنا للزمن، أنا وهو، صلاة متصلة لا تنتهي.
والآن، أنا هنا، لا في قبر، بل في النور، في المذبح، في شقوق الجدران، في أنين المزامير، في خطوات الكهنة وهم يتهامسون باسمي. أنا لم أمت، أنا أتنفس بين طيات البخور، أحنو على مصر كما تحنو الأم على طفلها، وأذكر أبي كما تُذكَر الآلهة، وأهمس لآمون في كل فجر: “ها أنا… ابنتك، عذراءك، ظل روحك… ميريت آمون”.






المزيد
لحظات لا تنسى بقلم سها مراد
حين يأتي الأذى من القريب بقلم ابن الصعيد
لا تنظر إلى رزق غيرك بقلم ابن الصعيد