كتبته:الإعلامية سبأ الجاسم الحوري.
لماذا نحن؟ لماذا نحن من يعيش هذا الجحيم الذي لا ينتهي؟ نحن الذين كُتبت علينا الحرب منذ طفولتنا، وكأن الحياة لم تُرد لنا سوى هذا القدر البائس. نفتح أعيننا كل صباح على مشاهد لم يكن يجب أن نراها، نسمع أصواتًا كان من المفترض أن لا نسمعها أبدًا. الانفجارات التي تهز الأرض تحت أقدامنا أصبحت جزءًا من يومياتنا، والدمار الذي يحيط بنا صار صديقًا غير مرغوب فيه لا يفارقنا.
كيف لنا أن نشرح ما تفعله بنا هذه المشاهد؟ كيف نروي تفاصيل الجثث التي تراكمت، والمنازل التي انهارت على أحلام ساكنيها؟ كيف نصف الخوف الذي يتسلل إلى أعماقنا عند كل انفجار؟ وكأننا نعيش في سباقٍ مع الموت، لا نعرف إن كنا سنفوز بالحياة أم سنُهزم في كل مرة.
الأطفال الذين كانوا يحلمون بأن يصبحوا أطباء أو مهندسين، تحولت أحلامهم إلى مجرد البقاء على قيد الحياة ليومٍ آخر. هم يلعبون في الركام، يرسمون بالحجارة بيوتًا لا أسقف لها، وأرواحهم الصغيرة مثقلة بذكرياتٍ لا يجب أن يحملها أحد في هذا العمر. كيف لنا أن نرى المستقبل، وهو يتلاشى أمامنا كسرابٍ لا نصل إليه مهما تقدمنا؟
نحن، الذين عشنا الحرب، نعيش اليوم في زمنٍ مسروق، في لحظاتٍ مؤقتة، لا نعرف متى ستُسحب منا. نحمل في قلوبنا أسئلةً لا إجابة لها: إلى متى؟ إلى متى سنظل عالقين في هذا الكابوس الذي لا نستيقظ منه؟ متى سنعود لنعيش حياةً عادية، بدون أصوات المدافع وبدون رائحة الموت في كل زاوية؟
أصبحت الحرب جزءًا منا، لكننا لم نخترها. نحن ضحايا قرارٍ لم يُسأل أحدٌ منا عنه. ومع ذلك، نحن هنا، نقاوم، نصرخ في صمت، ونتساءل: هل سيأتي يومٌ نرى فيه النور مجددًا؟ أم أن هذه هي نهايتنا التي رسمت لنا منذ البداية؟
لكن حتى في هذا الظلام الحالك، تظل لدينا شرارات صغيرة من الأمل. نبحث عنها في لحظاتٍ عابرة، في ضحكة طفلٍ رغم الدمار، في يدٍ تمتد لتساعد رغم التعب. نحن لا نزال هنا، نتمسك بأطياف من الحلم، نرفض الاستسلام رغم أن كل شيء حولنا يدعونا إليه.
ربما، فقط ربما، سيكون هناك يوم نعود فيه لنرى شوارعنا كما كانت، نرى الحياة تعود لتدب في أحيائنا. يومٌ نعيش فيه بلا خوف، بلا أصوات تعصف بنا وتذكرنا بكل لحظة فزع مررنا بها. يومٌ نعيش فيه بحرية، نخطط فيه لمستقبلنا ونبني فيه أحلامًا جديدة.
حتى ذلك الحين، سنظل هنا. نحارب بأسلحتنا الصغيرة: بالصمود، بالصبر، وبإصرارنا على أن نكون رغم كل شيء.






المزيد
ما لا يُرى فينا بقلم الكاتب هانى الميهى
كأنها خلقت لتتنفس بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر
الاستسلام الاضطراري بقلم سها مراد