كتب: محمد صالح
الأصوات مِنحةُ ربانية عظيمة، وهبها لنا المولي عزّ وجل، ذات وظيفة تكوينية رائعة، تعكس صور حقيقية، وتنبئ عن مكوّنات تدبُّ فيها الحياة، وتلعب دور في التواصل الخلاّق والمبدع، وتعمل على تكييف الفرد مع الحياة والنّاس.
أحياناً نستخدم هذه الأصوات بطريقة تدفع للغرابة حيث نبدي بها تصرّفات سالبة، فنوظِّفها كرد فعل قوي ومزمجر، وهنا تكون عبارة عن زعيق، وتارةً صريخ وعُواء صارخ، وفي وقت نخرجها حادَّة الصورة تخيف من حولنا وتعمل على تنفير الآخر.
ونعملها أخرى بفظاظةٍ غريبة، تُخرجها من وظيفتها، ونذهب بها أبعد من ذلك فننشر الضجيج والصخب الذي نملأ به المكان ونطلق لها العنان، والأغرب نسمِْي ذلك حريّة، بل يذهب فكرنا الي أفعال تجرّنا الي ساحات الطبيعة، لنقيم فيها حفلات صاخبة، وأصوات مرتفعة وعالية.
ولا نوظفها في إستخدامها الإيجابي، كتوظيفها في الشفافية، والتواصل، والنقاش المثمر والنقد البنَّاء وغيرها من اللطائف، التي تعكس صور الرِّقةِ والحياء والجمال والإبداع الربّاني فيها.
والذي يعرف الأصوات الحقيقية، لن يوظّف الأصوات بهذه الطريقة الماجنة، وإنّما ينظْم وقته ليستمع بنهم، نعم الإستماع، هذه الوظيفة المهملة من قبل الكثيرين، فالإستماع خصلة وصفة لا تقل أهمية من إخراج الصوت، وفيها شئ من المنطق، فالمفروض عندما يكون هناك صوت خارج وجب أن تكون هناك أًذُنُُ صاغية.
الإستماع هو من جانب صورة ومهارة تعني الكثير، ليست موقوفة على الإستماع التلقائي كعملية، وإنّما تعني في المقابل صورة تعكس الإحترام للآخر، تعني أيضاً إفساح المجال لطرح الآخر، وإضافة خبرات ومعلومات جديدة، كما يعني الإستماع قوّة الطرف المستمع وذلك لتمكينهُ من الرد من جانب، ومن جانب آخر تمكين عملية التواصل الفعَّال، ويعني أكثر تمكين المتلقّي والمستمع من التفكير ، وهذه عملية حيوية تزكي الإبداع الإنساني وتجعل منه مصدر إلهام راقي.
الناظر للصخب والضجيج وغيرهما من الصور الفاحشة المعالم والتوظيف السيئ للأصوات، فكثير منا لا يعرف أن إستخدام الصوت بطريقته السالبة هذه تهدر طاقة جبارة نحتاجها في توظيف آخر، وتجده يجهل المعاني الحقيقية لهذه الهبة العظيمة، وهو ما دفعني لكتابة هذا المقال، فنحن جلَّنا يجهل قوّة الأصوات الخفية التي تملأ الكون، الأصوات الحقيقية التي لا تتقاطع وفوضى أصواتنا الماجنة، والغرق في صنوف عذابات الضجيج تجعلنا نغض الطرف عن هذه الأصوات الساحرة، يا تري ماهي؟
كلنا يعرف عن هذه الأصوات العتيقة، معظمنا يدرك وجودها، لكن من الصعب الحكم أن جميعنا يعرف مدلولاتها، وظيفتها، سحرها، تألقها، وغير ذلك.
فاللحكمة صوت يحتاج أن نصغي ونستمع وننمي مهارات الإستماع الداخلية ذات الوظيفة الإبداعية لتمكننا من سماع صوت الحكمة، وللعقل صوت لا يمكننا سماعهُ إلا عندما نستمع إلى تواصلنا وتفاعلنا الداخلي الخلاّق بطريقةٍ تمكّن التفاعل بين النفس والقلب والتفكير من التبادل الحيوي السليم، ليعلن عن مخرجات تقوِّى مواقفنا كثيراً، وتجعلنا نتقدم بقوّة وثبات ونستمر بفهم، وهنالك أصوات للقلب، ففي المسائل الصعبة التي تقف حجر عثرة نحتاج لنستمع بعمق وصمت كبير لصوت قلوبنا، فهي تفتينا فقط فيما أشكل علينا، وبالتالي تمكّننا هذه الأصوات من ممارسة حياتنا بتواصل إيجابى فعّال.
هنالك أصوات أخرى تبعث الجمال والبيان في حياتنا، فصوت الموسيقي التي تعزف برق يجذب فينا قوانا البعيدة ويجدد فينا ما يغوث بدواخلنا، ويدعم الرُّوح الإيجابية أكثر فينا، وصوت العصافير يبعث في النفس جماليات خاصّة، تنثر عبقاً وإلهاماً رائعاً، يشي بعبير يزكي ، سلسال من العذوبة تعانق فينا شجي ورحي من الشعور العميق، وخرير المياه صوت لا يمكنك أن تبدّلهُ بصوتٍ آخر، يعزف موسيقي خاصة تتواصل مع مكونات الطبيعة لتحترم ، أو تكون كمؤشر يتحدث عن دور أساسي يقوم به، والأشجار لها أصوات نادرة تنادي من له علاقة معها من بعيد ليدنو منها، في تواصل مملوء بالسلاسة والفعالية، وطنين النحل يوشي للآخرين بلغات مختلفة لها صوتها، والعجيب في الأمر هنالك تناغم غريب بين كل هذه الأصوات، والأغرب أن هذه الأصوات دوماً محافظة على درجتها، ولكنا لا نتعلم أبداً.






المزيد
زواج القاصرات ومخاطره على تربية الأبناء
أنا التي عبّرت نفسي
نظام الطيبات على الميزان