مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

أصعب ما كُلّفنا بقلم الكاتب: هاني الميهى

اسم الكتاب: أصعب ما كُلّفنا

اسم الكاتب: هاني الميهى

الفصل الأول: حين يبدأ الامتحان

الجزء الثاني

 

كنتُ دائمًا أظن أن الامتحانات الكبرى تبدأ بضجيج، وأن الحياة تُصدر إنذارًا قبل أن تلقي بثقلها على القلب. لكن الحقيقة التي اخترقتني ببطء أن الامتحان الحقيقي يبدأ في اللحظة التي تفقد فيها القدرة على تسمية ما تشعر به. تلك المنطقة الغامضة بين الوجع والصمت، بين الرجاء والإنكار، حيث لا تفهم هل أنت واقف أم ساقط، حيّ أم مُعلّق بين طريقين.

إن للصبر وجهًا لا يراه إلا من عاش لحظاتٍ يختنق فيها الصوت داخله. وجه لا يشبه الحكمة التي نسمعها في كلمات الناس، ولا يشبه الصور الهادئة التي يحاولون رسمها له.

الصبر في عمقه الحقيقي… فوضى.

فوضى صامتة تتراجع فيها كل الإجابات، وتبقى الأسئلة وحدها في المقدمة.

أصعب ما فى الصبر أنه يفرض على الإنسان عزلة من نوع خاص، عزلة لا تتعلق بالمكان، بل بالقلب.

قد تكون بين الناس، بينهم تمامًا، لكنك تشعر أنك خارج حدود وجودهم.

كأن هناك حاجزًا شفافًا يفصل بينك وبين العالم، حاجزًا لا يراه أحد غيرك، ولا يشعر بثقله إلا صدرك.

فى تلك العزلة، يكتشف الإنسان هشاشته كاملة…

ويدرك أن ما كان يظنّه قوة كان مجرد محاولة للظهور أمام الناس بمظهر المتماسك، وأن ما كان يظنه ضعفًا كان في الحقيقة إشعارًا مبكرًا بأن روحه تتألم.

هنا تحديدًا يبدأ الامتحان:

حين يخلو الإنسان بنفسه، ويجلس أمام خوفه بلا مساعدين، بلا كلمات ترفع عنه الثقل، بلا يد تربت على كتفه.

يكون وحده… ووجوده وحده امتحان.

في داخل كل واحد منا مساحة لم يقترب منها منذ سنوات:

مساحة مظلمة، مهجورة، تكدست فيها تجارب مؤجلة، جروح قديمة، أحلام انطفأت قبل أن تنضج، وذكريات لم نجلس معها بما يكفي.

وحين يأتي امتحان الصبر، يفتح هذا الباب دفعة واحدة.

يفتحه بلا رحمة، كأنه يقول:

“انظر… هذا أنت. وهذه حقيقتك التي تجاهلتها طويلاً.”

ربما لهذا يخاف الإنسان من الصبر… لأنه لا يكشف ما حوله، بل يكشف ما بداخله.

وكم من واحدٍ منا ظلّ يركض طوال عمره، لا ليهرب من الحياة، بل ليهرب من نفسه.

يخشى أن يجلس لحظة واحدة مع كلماته المكسورة، مع ضميره المُتعب، مع أحلامه التي دفنها بيديه.

فإذا جاء الامتحان، جاءت معه الحقيقة التي لا يمكن الهرب منها.

إن الصبر ليس وقوفًا على باب الفرج، بل وقوفًا على باب النفس.

وما بين البابين مسافة لا يعرفها إلا من مشاها.

مسافة يتعلم فيها الإنسان أن الأيام قد لا تحمل له ما يريد، لكن عليه أن يحمل نفسه بما تبقى من قوة.

وليس الصبر انتظارًا كما يظنه البعض…

الصبر فهم.

فهمٌ لما يقع، لما يُؤخذ، لما يتأخر، لما يُعاد تشكيله، ولما قُدِّر لك أن تعبره رغم خوفك.

هو إدراك عميق بأن الحكمة ليست فى ما تحصل عليه، بل فى من تصبح عليه بعدما يمرّ عليك ما لا تقدر على احتماله.

وإنّ الإنسان حين يقف أمام أول امتحان، يظن أنه لا يملك ما يكفي من الثبات، ثم يفاجأ بأن داخله مساحات لم يعشها من قبل.

مساحات تشبه الأجنحة، لا تراها إلا حين تضطر أن تطير.

ذلك هو الامتحان…

لا يُفصح عن نفسه في البداية، لكنه يغيّر الإنسان من منتصفه، من قلبه، من تلك المنطقة التي لا يجرؤ على لمسها إلا الألم.

 

#أصعبماكُلّفنا

#هاني_الميهى