مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

أصعب ما كُلّفنابقلم الكاتب: هاني الميهى

 

اسم الكتاب: أصعب ما كُلّفنا
اسم الكاتب: هاني الميهى
الفصل الأول: حين يبدأ الامتحان
الجزء الثالث

في كل مرة يشتد فيها الامتحان، نميل إلى مراقبة ما يفلت من أيدينا، كأننا نحاول الإمساك بالعالم قبل أن يسقط. لكن ما لا ننتبه إليه أن السقوط الحقيقي لا يحدث خارجنا… بل يحدث في الداخل أولًا.
يسقط اليقين، ثم تتبعه الثقة، ثم تفتر قوى الروح شيئًا فشيئًا، حتى يصبح الإنسان واقفًا من الخارج، ومنهارًا من الداخل، كجدارٍ ما زال قائمًا رغم أن قلبه تحوّل إلى غبار.
ولأن الصبر امتحان داخلي، فهو لا يُقاس بما يتحمله الجسد، بل بما تقوله الروح حين تُدفع نحو الحافة.
أحيانًا لا تستطيع الروح أن تصرخ، فتصمت.
وأحيانًا لا تقوى على الصمت، فتبكي.
وأحيانًا تفعل الشيئين معًا: تبكي بصمتٍ لا يسمعه إلا مَن خلقها.
إن اللحظة التي يتخلى فيها اليقين عنك… ليست لحظة ضعف، بل لحظة إعادة تشكيل.
فاليقين الحقيقي لا يُبنى في الأيام السهلة، بل في تلك اللحظات التي تظن فيها أن كل شيء انكسر، ثم تكتشف لاحقًا أن ما انكسر لم يكن يقينك… بل ظنك.
ما أثقل اللحظة التي يدرك فيها الإنسان أن عليه أن يصبر، وهو في داخله لا يملك ما يكفي ليقف خطوة واحدة.
شيء يشبه أن تُطلب من جناح مكسور أن يطير، أو من قلبٍ ارتجف طويلاً أن يطمئن.
لكن العجيب… أن الإنسان يفعلها.
يفعلها وهو لا يعرف كيف.
يمشي خطوة رغم أن الأرض تحته خاوية، ويلتقط أنفاسه رغم أن صدره مثقل، ويكمل الطريق لأن داخله قوة لا تظهر إلا إذا ضاق الطريق تمامًا.
هذه القوة الغامضة — التي لا يعرف المرء مصدرها — هي جوهر الصبر.
تأتي بلا إعلان، وتتكلم بلا صوت، وتدفع قلبك للأمام دفعة صغيرة… لكنها كافية لإنقاذك من السقوط الأخير.
ولأن الصبر امتحان ممتد، فإنه يكشف طبقات النفس بالتتابع.
طبقة الخوف أولًا،
ثم طبقة الإنكار،
ثم طبقة التعلّق،
ثم طبقة الانهيار الصامت،
ثم… طبقة الهدوء الغريب الذى يزورك فجأة كأن شيئًا ما استقر داخلك.
ذلك الهدوء لا يعني أن الألم انتهى،
ولا يعني أن الفرج جاء،
بل يعني أنك تصالحت مع الطريق، ولو قليلًا، وأن قلبك بدأ يدرك أن السير مهما طال… لن يقتل الروح ما دامت تتحرك.
وما أجمل تلك اللحظة التي تشعر فيها — ولو للحظة واحدة — أن الألم ذاته صار جزءاً من نضجك.
لم يعد عدوًا، ولم يعد غريبًا، بل أصبح معلمًا يقف بجوارك، لا أمامك.
عندها فقط يبدأ الإنسان في فهم معنى الامتحان:
أنه ليس امتحانًا في الصبر…
بل امتحانٌ في الإنسان نفسه.
في عمقه، في استعداده للتغيير، في قدرته على رؤية الحياة بعينٍ أخرى لم تكن مفتوحة من قبل.
وفي لحظات كهذه، يتكشف للإنسان معنى خفي:
أن ما يُؤخذ منه… قد يكون تمهيدًا لما سيُمنح.
وأن ما يتأخر عنه… قد يكون حماية لا يدركها الآن.
وأن ما يثقل قلبه… قد يكون الطريق الوحيد إلى قلبٍ أقوى.
هكذا يكمل الإنسان السير…
لا لأنه أصبح أقوى،
بل لأنه أصبح “أصدق”.

#أصعبماكُلّفنا
#هاني_الميهى