مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

كتاب أصعب ما كُلّفنا بقلم الكاتب هاني الميهي

اسم الكتاب: أصعب ما كُلّفنا

اسم الكاتب: هاني الميهى

الفصل الأول: حين يبدأ الامتحان

الجزء الرابع

 

كل امتحان يمرّ بالإنسان يترك في داخله علامة، لكن العلامة الأكثر رسوخًا ليست تلك التي يتركها الألم… بل تلك التي يتركها الصبر.

فالألم قد يأتي ويمضي، يطرق باب القلب ثم يغادر، أما الصبر فيبقى، لا كضيفٍ عابر، بل كحقيقة جديدة تُضاف إلى بنية الروح.

في نهايات الامتحانات القاسية، يحدث شيء غريب…

لا ينتصر الإنسان، ولا ينهزم، بل يتغيّر.

يتغيّر في عمقه الهادئ، في نظرته للحياة، في فهمه لمواضع قوّته وضعفه، في تلك المساحات التي لم يعرفها إلا حين اشتد عليه الليل.

وهذا التغيّر لا يسمع ضجيجًا ولا يحتاج تصفيقًا…

إنه تغيّر صامت، لكنه يصنع فارقًا يشبه الانتقال من الظل إلى الضوء، أو من الخوف إلى البصيرة.

كنتُ أظن أن الصبر نهايةُ ضعف، حتى رأيت أنه بداية قوة.

وكنت أظن أنه انحناء، حتى أدركت أنه وقوفٌ بطريقةٍ أخرى.

وكنت أظن أنه استسلام، حتى علمت أنه أعلى درجات المقاومة…

مقاومة المرارة التي في القلب، والقلق الذي في الروح، والخيال الذي ينسج أسوأ الاحتمالات.

الصبر ليس امتلاكًا للطريق، بل امتلاكًا للنفس وهي تعبر الطريق.

ولذلك، حين يصل الإنسان إلى نهاية امتحانه، لا يصل كما خرج، بل يصل خطوة أبعد مما كان يتوقع، خطوة تفصل بين الإنسان الذي كانه… والإنسان الذي أصبحه.

وعندما تهدأ العاصفة — ولو قليلًا — يدرك القلب أنه لم يعد كما كان.

صار أكثر وعيًا بما يُرهقه، وأكثر قدرة على الاعتراف بما يؤلمه، وأكثر حكمة في اختيار ما يستحق أن يُحزن لأجله أو يُصبر عليه.

وفي هذا الإدراك الهادئ نجد معنى الامتحان الحقيقي:

ليس المطلوب أن نخرج بلا ندوب، بل المطلوب أن نفهم ندوبنا.

ليس أن ننجو بلا خسارة، بل أن نعرف لماذا خسرنا، وكيف نواصل الطريق دون أن نستسلم لفكرة السقوط.

وكل إنسان مرّ بالصبر يعرف تلك اللحظة التي يشبه فيها قلبه طفلًا كان يبكي طويلًا، ثم توقف فجأة…

لا لأنه لم يعد متألمًا، بل لأنه تعب من المقاومة، واختار أخيرًا أن يسلّم الأمر لمعنى أكبر من قدرته.

هذا هو جوهر الصبر… أن تتراجع يدك عن التمسك بما يؤذيك، وأن تتقدم روحك خطوة نحو ما كُتِب لك، مهما بدا بعيدًا.

هكذا تُغلق الامتحانات أبوابها.

لا نسمع صوتًا، ولا نرى علامة على الجدران، بل نرى أثرًا في داخلنا يخبرنا بأن شيئًا ما قد اكتمل.

أن جزءًا منّا تعلّم، وجزءًا آخر تصالح، وجزءًا ثالثًا لم يعد يخاف كما كان.

وفي النهاية، ندرك ما لم نكن نراه في البداية:

أن الامتحان لم يكن عن الصبر نفسه…

بل كان عن القدرة على احتمال نفسك، حين تتعرّى أمام حقيقتها.

وبهذا تُطوى الصفحة الأولى من رحلتنا…

رحلة تبدأ من الارتجافة الأولى، وتنتهي عند أول لمحة فهم.

وما زال الطريق طويلًا، وما زال الصبر أعقد مما تبدى…

لكننا الآن أصبحنا أكثر استعدادًا للسير.

 

#أصعبماكُلّفنا

#هاني_الميهى