كتب / ابوسفيان الكردفاني.
الجزء الثالث. حينما كنت أهم بمغادرة المدرسة بعد نهاية الدوام وأنا بصحبة صغيري استوقفتني معلمة الجغرافيا وطلبت مني التحدث على انفراد ، لا أدري لم شعرت بوخزة في قلبي وأحسست وكأنما هنالك أمر غير طبيعي أو خبر جلل سوف أسمعه منها عن صغيري، ولكنها بدأت تحدثني عن نبوغه وأخلاقه وتميزه على أقرانه ، وأنه رسام بارع جداً وأنها طلبت منه أن يعد لها خريطة للعبة الكنز، يقوم التلاميذ على ضوءها بالبحث عن الكنز المدفون وإيجاده ، أخبرتها بأن هذا الأمر جميل جداً وشكرتها على اهتمامها به، وأنه لا يخذلها في المهمة الموكلة له فهو متميز جداً في الرسم ، أجابت بأنها تعلم ذلك ولكنها تريدني أن أقنع صغيري أن يضع الكنز في أي مكان في المدرسة غير المكان الذي أختاره وسوف يحدده على الرسم ليبحث فيه التلاميذ، سألتها بلهفة ووجل أن استمتع لكلامها ما بال المكان الذي اختاره!! هل به مشكلة ؟ ردت بسرعة وكأنها تحاول أن تشعرني بالاطمئنان لا أبداً ، لكن المكان مهجور من مدة وأخاف على التلاميذ من الثعابين والحشرات، نظرت إليها مليئاً ثم أعدت عليها السؤال بطريقة تنبئها بأن تخبرني بمشكلته ماذا به ذلك المكان؟ ردت على بتلعثم لا شيء فقط حكايات يقولها الأهالي والتلاميذ أن ذلك المكان مسكون من قبل جنية تظهر من حين لأخر، لا أدري لم شعرت بالرهبة والخوف يتملكني وأحسست بحبات عرق تحاول أن تسقط على جبيني ، رددت عليها ضاحكة بأن هذا خرافة ليس إلا ودوماً يكون حديث غير صحيح، وأنه إذا ما أخبرت صغيري بذلك فسوف يزداد تمسكاً وعناداً أكثر من ذي قبل لأنه يحب المغامرات ويعشق التحدي.
في اليوم التالي حينما حضرت لإحضار صغيري استوقفتني تلك المعلمة مسرورة وهي تقدم لي خريطة مرسومة بدقة لمعالم المدرسة وهي تقول لي أن أبني قد رضي أن يغير الخريطة القديمة عن ذلك المكان المهجور بعد أن تحدثت أنت إليه، حيث ذكر لي أنك قد أقنعته بذلك، نظرت إليها ثم إليه فوجدته مبتسماً وقلت لها بأنني لم أفعل شيئاً فمخاوفها في مكانها حقاً أن كان المكان قديم ومهجور فسوف تجتمع فيه الثعابين والحشرات.
حينما عدت إلى المنزل وضع صغيري حقيبته وانطلق إلى الشارع ليلعب مع أصدقائه ، لا أدري لم حدثتني نفسي أن أنظر بداخلها لأجده ما زال محتفظاً بتلك الخريطة التي أجبرته معلمته على تغيرها، نظرت فيها وكانت على شكل هيكل لمبني من طابقين وكان هناك شيء مثل السلم مرسوم في ركن قصي من المبني، وقد وضعت علامة أكس على نقطة تحت السلم وأظنها المكان الذي دفن به الكنز.
في الصباح خطر على بالي أن أتصل على المدرسة أسال عن حصة الجغرافيا والبحث عن الكنز وما حصل فيه، حينما اخبرني المدير بأن معلمة المادة متغيبة لوعكة صحية ألمت بها، قلت أن ذلك لخير، ولكنه أخبرني أنه أوكل الحصة لأستاذ أخر لأن الطلاب كانوا متحمسين جداً، فقد أخبرهم صغيري أن جائزة الكنز عظيمة ولا سبيل لتأجيل الحصة أبداً، حينها انتابتني الشكوك وجعلت الظنون تلعب بي وتدور في رأسي أسئلة كثيرة ، لم يخرجني منها إلا صوت مدير المدرسة وهو يسألني هل أنت بخير؟ أجبته بنعم ، ثم سألته عن الخريطة التي سوف يبحثون بها عن الكنز هل يعلم أين سوف يدفنونه، مع إحساسي بأن سؤالي فيه شيء من الغرابة قد تلمستها من سكوت المدير لبرهة إلا أنه فاجأني حينما ذكر لي أن صغيري طلب منه دفن الكنز في ذلك المكان المهجور ومع اعتراضه الشديد على الأمر ، وضرورة تغير المكان للمكان الذي اختارته الأستاذة إلا أنه ذكر لي أن التلاميذ المشاغبين في الفصول اعترضوا طريقه وأخذ منه اعترافاً بالمكان الذي دفن فيه الكنز، فلم يستطع أن يصدهم ويرعبهم ألا من خلال وضع الكنز في ذلك المكان المهجور، حينما سمعت ذلك أغلقت الهاتف بسرعة وانطلقت ناحية المدرسة وهنالك شعور غريب يعتريني .
تساؤلات عديدة مرت برأسي، وسيناريوهات كثيرة وضعتها لما سوف يحدث، كنت أقود بسرعة جنونية في محاولة مني للحاق بصغيري قبل أن تقع الكارثة ويحصل ما لا يحمد عقابه، لا أدري لماذا حينما انعطفت بالسيارة تجاه الطريق الذي يدخلني إلي المدرسة أنني لمحت طيف تلك المرأة التي رسمها صغيري ، وأضجعت منامي في ذلك اليوم.
حينما وصلت إلي المدرسة كان هناك تجمع لعدد كبير من أولياء أمور التلاميذ، بصورة جعلت الدم يتجمد في عروقي ، نزلت من السيارة راكضة إلى داخلة المدرسة وأنا أسال كل من أقابله عما حصل ، كانت النظرات تتجه نحوي وبعض النساء تشير إلي وهن يهمسن لبعضهن فيما تتحول نظرات الأخريات تجاهي إلى نظرات عدائي جداً، وصلت إلى مكان تحلق الناس وكان أمام ذلك المبني المهجور، حينها لم تعد رجلاي تحملاني وشعرت أن قواي قد خارت ، شل تفكيري وأنا أتخيل صغيري وقد لدغه ثعبان أو طفل أخر معه، وأصوات تأتي من خلفي تتناهي إلي مسمعي بأن صغيري هو سبب كل ما حصل، ركضت أشق الصفوف وأدفعهم وعيناي قد امتلأت بالدموع، حينما وصلت إلى أول صف في تلك الحلقة الدائرية استوقفني رجال الشرطة ومنعوني من المواصلة للأمام، صحت بأعلى صوتي بأنني أريد صغيري ولن أتراجع قبل أن أضمه .






المزيد
وجع مرئى :بقلم :سعاد الصادق
حين يتكلم الصمت: بقلم: سعاد الصادق
ضوء هادئ