مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

أشباح من خلف الظلام الجزء الثاني.

Img 20240804 Wa0083

كتب: ابوسفيان محمد الكردفاني

 حينها سألته عن رسوماته وأخبرته بأنها حزينة وهي تحمل مشاهد الحرب وويلاتها وتعمدت أن لا أساله عن تلك الرسوم الغريبة بينهما، ليرد ليست جميعها كذلك فمثلاً هذه المدينة التي سوف نسكن بها رائعة ، وهذه المرأة الوحيدة الحزينة سوف يدخل السرور لقلبها بعد حزن طويل ، حينها خاطبته صائحة نحن لن نسافر إلى أي مكان ثانية ، ولن نغادر هذا المنزل أبداً وجمعت منه الرسومات كلها وأمرته بأن يذهب معي لتناول الغداء.

في المساء بينما كنت أشاهد مسلسلي اليومي ، وزوجي يتصفح جواله استرعت انتباهه بصورة مفاجئة تلك الرسومات وأمرني بسرعة أن أعطيته تلك التي فيها صورة المدينة ، لم تجدي نظراتي الحائرة وسؤالي المتواصل عن ماذا يريد أن يفعل بها، ولكن لم أتمالك نفسي من الصدمة حينما أخبرني زوجي بأن هذه المدينة في شرق البلاد ، وأن هذا المزار هو ضريح لشيخ عظيم أو ولي صوفي كبير، وهو مزار لعدد كبير من الناس يؤمنون بكراماته، لم أصدق حديثه وضحكت عليه في بادئ الأمر ، ولكن حينما أخرج تلك الصورة لذلك الضريح من هاتفه ومدها تجاهي نظرت إليها وإلي الرسم حيث كانت متطابقة معها تماماً لحد الجنون.

حينها أخبرته بأن أبننا أخبرني بأننا سوف نسافر إلي هناك ونسكن بها، رد على وقال أظن أننا سوف نسمع كلامه مرة أخرى ونغادر من هنا ثم أطلق ضحكة مجلجلة ودخل إلى غرفته.

مكان موحش يشبه الغابة المظلمة أو أشد، ضيق ونتن كما القبر، أنفاس تتسارع وصوت يزوم من خلفي ، وخيالات تترائي لي كل لحظة ، تبدو كوجوه أعرفها ولا أعرفها ، أناس ينبشون شيء ما ، صوت خائف وأنين مكتوم ، كابوس أحسه يطبق على ويجعل جسدي مشلولاً لا يقوى على الحركة، كنت أحس نفسي في حلم مزعج ولابد أن أستفيق منه بأي صورة، حينما حاولت أن أفتح عيناي وأنهض لاستيقظ من ذلك الحلم البشع ، كان جسمي مغطي بالعرق، والحرارة من حولي لا تطاق، حركت يدي أحاول أن أمسح العرق عن جبيني ووجهي وفتحت عيني ، ما بين اليقظة والمنام كنت أراها نفس تلك المرأة تجلس على طرف سريري، ثم ما لبثت أن زحفت تجاهي بسرعة ووجدت وجهها أمامي ، كانت قد أسندت يداها على اللحاف وهي من فوقي وشعرها يتدلي على جبيني ، حاولت أن أغمض عيناي ، أن اصرخ طالبة النجدة ولكن دون جدوى ، فقد أحتبس صوتي ولم يطاوعني في الخروج، كانت تنظر لي بعيون تقدح بالغضب تحرك رأسها يمنة ويسري وهي تنظر لي، ثم ثبتت نظراتها حتى قابلت نظراتي ثم قالت لي: لماذا لا تصدقينه ولا تتركيه يساعدني ثم أجهشت بالبكاء حتى أحسست بحرارة دموعها وهي تسقط على وجهي لأصرخ بأعلى صوتي باكية ، وأنا أنتفض محاولة أن أتخلص منها ، أستيقظ زوجي بعد أن فتح نور الغرفة وهو يهدئ من روعي ويقول لي بأنه كابوس فقط ليس إلا ، كنت سوف أصدق حديثه وأنا أرتشف قطرات الماء من ذلك الكون الذي مده إلى، ولكن حينما نظرت إلى المكان الذي كانت تضع يديها عليه كانت أثار التراب موجودة فيه بكل وضوح ، رميت بالكأس ونهضت صارخة ونزلت بسرعة عن السرير وأنا أشير إليه إلي ذلك المكان بالضبط ، حينما نظر هو إليه ووجد تلك الآثار باقية في مكانها وأنه لم يكن حلماً قط ركض ناحيتي ليضمني إليه، حينها دخل طفلي إلينا وهو يقول لي : أنها تريد منك أن تتركيني أساعدها.

بعد عدة أيام من تلك الحادثة ، كنا نهم بإنزال حقائبنا من السيارة ونحن أمام أحد الشقق الفاخرة في تلك المدينة ، لم نصدق بأننا قد عثرنا عليها بكل تلك السرعة ، ولكن بصورة مفاجئة أنفجر طفلي باكياً وهو يصيح ويرفض الدخول إلي هناك ، لم تجدي كل محاولاتنا معه ، حيث رفض بشكل صريح وقاطع أن نسكن هناك، وكان تبريره بأن الشقة مسكونة بالجن، حينها حاول السمسار أن يداري ارتباكه وهو يتمتم بأن هذه الكلام عار من الصحة وهي محض إشاعات يطلقها الناس حتى لا يستفيد منها صاحبها.

في أخر الأمر رضخنا لطلب الصغير، بعد أن قدم لنا ذلك السمسار خيار أخر عبارة عن بيت كبير من عدة طوابق ، لم يسكنه أحد من سنين طويلة ، وهو بعيد بعض الشيء عن المدينة وتدور حوله حكايات غريبة وخرافات، ورغم ذلك وجدت صغيري قد تحمس تماماً لذلك الخيار.

مضي أسبوع منذ أن انتقلنا إلى ذلك البيت ، ولم يحدث شيء غريب أو غير طبيعي كما كان يشاع في الحي أو من السمسار، بالعكس تماماً وجدت صغير وزوجي وهما في غاية الراحة والسرور في ذلك المكان.

في صبيحة أحد الأيام أقبل صغيري طالباً مني أن ألحقه بالمدرسة القريبة من المنزل، في البدء حاولت إقناعه بأن أقوم بتسجيله في مدرسة خاصة مشهود لها بالإتقان والجودة في التعليم بتلك المدينة، ألا أنه أصر بطريقة مبالغ فيها على تلك المدرسة فرضخت له وقمت بذلك ، وفي بالي أنه عند أي لحظة سوف يتم الاتصال بي لحدوث مشكلة مع أحد التلاميذ وصغيري ، ولكن خاب ظني فقد أنقضي الأسبوع بتمامه ولم يحدث شيء بل بالعكس فقد أكتسب صغيري أصدقاء جدد، وقد أحبه أساتذته خاصة معلمة الفنون فقد هالتها رسوماته بجمالها وروعتها.