مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

أسرار البيت المهجور – الجزء الأول (البداية)

كتب عبد الرحمن شعبان سعد:

 

لم يكن البيت المهجور مجرد بناء قديم في أطراف القرية، بل كان نقطة سوداء في الذاكرة، اسمًا يتداوله الناس همسًا، ونظرة يتجنبها الجميع وكأن الجدران تسمع. سنوات طويلة مرّت، والبيت واقف كما هو، نوافذه معتمة، بابه الخشبي مائل كفمٍ يريد أن يبتلع من يقترب.

منذ طفولتهم، كان الكبار يحذرونهم: «إياكم والاقتراب من ذلك البيت… من يدخله لا يخرج كما كان.»

لم يكن أحد يعرف الحقيقة كاملة، أو ربما كانوا يعرفونها ويخشون قولها.

عاد ياسين إلى القرية بعد غياب طويل. سنوات قضاها في المدينة، محاولًا نسيان كل شيء، لكنه فشل. موت والده المفاجئ أعاده، لا ليودّع فقط، بل ليواجه أشياء ظنّ أنه دفنها مع الزمن.

في الليلة الثالثة لعودته، كان يجلس وحيدًا في غرفته القديمة، حين وقعت عيناه على نافذة تطل مباشرة على أطراف القرية. هناك… كان البيت المهجور.

لاحظ شيئًا لم يلاحظه من قبل. ضوء خافت… ضعيف… يكاد لا يُرى، لكنه كان موجودًا في أحد النوافذ العليا.

انعقد حاجباه. البيت مهجور منذ أكثر من عشرين عامًا… فمن أين جاء الضوء؟

حاول تجاهل الأمر، لكن القلق بدأ يتسلل إلى صدره. في الصباح، سأل بعض أهل القرية، لكن الوجوه تغيّرت فور ذكره للاسم. صمت، نظرات متبادلة، ثم إجابة واحدة تتكرر: — لا شيء هناك… انسَ الأمر.

لكن ياسين لم يستطع.

مع حلول الليل، وجد نفسه يسير نحو الطريق الترابي المؤدي إلى البيت، دون أن يخطط لذلك. السماء ملبدة بالغيوم، والهواء ثقيل، وكأن المكان يرفض وجوده.

كلما اقترب، ازداد الصمت. لا حشرات، لا كلاب، لا ريح. صمت غير طبيعي.

وقف أمام الباب. الخشب متشقق، وعليه آثار خدوش غريبة، كأن أحدهم حاول الخروج… لا الدخول.

مدّ يده بتردد، ودفع الباب. أصدر صريرًا طويلًا، موجعًا، كأنه صرخة قديمة.

في الداخل، رائحة عفن ورطوبة، وأرض مغطاة بالتراب وبقايا أشياء مكسورة. خطا خطوة… ثم أخرى.

فجأة، سمع صوتًا خافتًا… كأنه أنين… أو بكاء مكتوم.

توقف قلبه لحظة. حاول إقناع نفسه أن ما يسمعه مجرد وهم، لكن الصوت تكرر، أوضح هذه المرة، قادمًا من الطابق العلوي.

صعد السلم بحذر، وكل درجة تصدر صريرًا وكأنها تحتج على وجوده. عند نهاية السلم، وجد بابًا نصف مفتوح.

دفعه ببطء.

الغرفة كانت فارغة… إلا من مرآة كبيرة معلّقة على الحائط المقابل.

اقترب منها، ونظر.

انعكاسه كان شاحبًا… لكن خلفه… كان هناك ظل.

ظل ثابت، لا يتحرك، لا تظهر له ملامح، لكنه موجود بوضوح.

استدار بسرعة.

لا أحد.

عاد ينظر إلى المرآة… الظل اقترب خطوة.

وفي تلك اللحظة، سُمع صوت إغلاق الباب في الأسفل بقوة.

أدرك ياسين أنه لم يعد وحده في البيت المهجور… وأن ما خبأه المكان طوال هذه السنوات، بدأ يكشف أول أسراره.

 

سؤال للمتابعين: من هو الظل الذي ظهر في المرآة؟ وهل الضوء الذي رآه ياسين كان تحذيرًا… أم دعوة للدخول؟