أجنحة مكسورة (الفصل الثاني – صوتٌ لا يُسمع) بقلم هانى الميهى
ثمّة أصواتٌ في أعماقنا لا يلتقطها أحد.
أصواتٌ تشبه الهمس المبحوح، تختلط بأنفاسنا فنظنّها صمتًا، لكنها في الحقيقة عويلٌ لا ينقطع.
إنّ الجرح حين يستقرّ في الداخل، لا يحتاج إلى صراخٍ ليعلن وجوده؛ يكفي أن تشعر بثقله كلّما حاولت أن تبتسم.
كم مرّةٍ جلسنا وسط الجموع، وضحكاتنا تتردّد في المكان، بينما في القلب صوتٌ يتكسّر كزجاجٍ تحت الأقدام؟
كم مرّةٍ ظنّ الناس أنّنا أقوياء، وأنّ صمتنا حكمة، بينما كان الصمت في حقيقته محاولةً يائسة لإخفاء نزيفٍ لا يتوقّف؟
ذلك الصوت الداخلي لا يسمعه أحد، لأنه لا يُترجم بكلمات، بل يُترجم بارتعاشة اليد، وبثقل النظرة، وبخطوةٍ متردّدةٍ لا يلاحظها أحد.
إنّ ما لا يُقال هو الأشدّ وقعًا.
فاللغة، مهما اتّسعت، تضيق عن حمل الجرح.
نبحث عن كلمةٍ تُشبه ما نشعر به، فلا نجد، فنلوذ بالصمت، وكأنّنا نخاف أن نخون ألمنا إن نطقناه.
وهكذا يظلّ الصوت حبيسًا بين الأضلاع، يعلو حين نخلو إلى أنفسنا، ويخفت حين نجلس بين الناس، لكنه لا يغيب أبدًا.
الصوت الذي لا يُسمع هو دليلنا على أنّنا ما زلنا أحياء.
فالموت وحده هو الصمت الكامل، أمّا الحياة الجريحة فصوتها مكتوم، يطلّ من بين الشقوق، كأنّه احتجاجٌ على الخذلان، أو نداءٌ يطلب يدًا تمتدّ لتفهم.
لكنّ الحقيقة القاسية أنّ لا أحد يسمع إلا صاحب الجرح.
ولذلك نصبح غرباء حتى ونحن بين أقرب الناس إلينا.
غربةٌ لا تُشبه الغربة عن وطن، بل غربةً عن ذواتنا، عن الصوت الذي لا نجد من يصدّقه.
ويبقى السؤال معلّقًا في أفق الصمت:
هل وُجد إنسانٌ في هذا العالم سيسمع ما لم نقله يومًا؟
أم أنّ أصواتنا الداخلية ستظلّ قدرًا لا نفكّ أسره إلا ونحن وحدنا؟






المزيد
حين تصبح الكلمة وطنًا… ودور النشر حراس الوعي بقلم علياء حسن العشري
الليالي العشر بقلم عبير عبد المجيد الخبيري
اليوم الثاني أبرز التحديات التي تواجه صناعة النشر في مصر حاليًا بقلم الكاتب هانى الميهى