أجنحة مكسورة (الفصل الأول – حين ينكسر الضوء) بقلم هانى الميهى
ثمّة لحظةٌ في العمر ينطفئ فيها كلُّ شيءٍ دفعةً واحدة.
لا تُعلن عن نفسها بضوضاءٍ أو صخب، بل تأتي صامتةً، كأنها يدٌ خفيةٌ أطفأت المصباح في غرفةٍ مزدحمةٍ بالذكريات.
حينها لا يتبدّد النور من حولك فحسب، بل يتسرّب من داخلك أيضًا، فيتركك مبهوتًا أمام عتمةٍ لا تفسير لها.
إنّ الانكسار ليس صرخةً عاليةً يسمعها الجميع، بل هو ارتجافٌ داخلي لا يراه أحد.
تظلّ واقفًا كجسدٍ مُسندٍ على قدميه، بينما أعماقك تتهاوى مثل مدينةٍ أصابها زلزالٌ عنيف.
الناس من حولك يظنّون أنّك بخير، وربما يهنّئونك على صبرك، بينما أنت تُصغي إلى أصوات الخراب تتردّد في داخلك، وتعلم أنّ شيئًا ما قد تهشّم إلى غير رجعة.
الخيانةُ مثل سهمٍ مسموم، لا يقتلك فورًا، بل يتركك تنزف ببطءٍ حتى تفقد إيمانك بالملاذات.
الفقدُ مثل بحرٍ جافّ، يجعلك تبحث عن قطرة دفءٍ فلا تجد.
والخذلانُ مثل بابٍ موصدٍ، كنت تطرق عليه بثقة، فإذا به يُغلق في وجهك إلى الأبد.
بعد الصدمة الأولى، يبدأ زمنٌ جديد، زمنٌ يتباطأ فيه كلّ شيء.
الأيام لا تمضي، بل تزحف، والساعات لا تُقاس بالوقت، بل بثقل الجرح.
تجلس بينك وبين نفسك لتعيد طرح الأسئلة ذاتها عشرات المرات: كيف حدث هذا؟ لماذا أنا؟ ماذا تبقى مني؟
فتكتشف أنّ الأسئلة ليست طريقًا إلى الإجابة، بل طريقًا إلى مزيدٍ من الصمت.
الانكسار لا يعني أنّك فقدت كلّ شيء، لكنه يعني أنّك فقدت الصورة القديمة لنفسك.
الصورة التي كنت تراها ثابتةً، واثقة، لا تهتزّ.
والآن، حين تنظر في المرآة، ترى ملامح أخرى: وجهًا مثقلًا، عينين مثقلتين بالغياب، وقلبًا يطلب معنى جديدًا للحياة.
تتساءل: هل يمكن للنور أن يعود بعد أن انكسر؟
هل يمكن للقلب أن يثق من جديد بعدما تشرّب طعم الخيانة؟
هل يمكن للروح أن تحبّ وهي تحمل في داخلها كلّ هذا الرماد؟
ربما يكون الانكسار هو الطريق الخفيّ نحو النهوض.
ربما علينا أن نُكسر لندرك قيمة الوقوف، وأن نتعثّر لنتعلّم كيف نخطو، وأن نفقد لنفهم كيف نحبّ ما تبقّى.
لكنّ اليقين الوحيد في تلك اللحظة، هو أنّ الضوء الذي انطفأ لن يعود كما كان؛ بل سيولد ضوءٌ آخر، مختلف، أعمق، أكثر صدقًا، ولو بعد حين.
فهل نحن قادرون على انتظار ذلك النور الجديد؟
أم أننا سنظلّ سجناءَ الظلمة التي صنعتها قلوبنا المكسورة؟






المزيد
ثِقل البداية بقلم الكاتب هانى الميهى
الخوف من المرة الثانية بقلم الكاتبة دلال أحمد
ما يشبهك في قلبي بقلم الكاتب هانى الميهى