مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

أجنحة مكسورة (الفصل الثالث – ذاكرة الزجاج) بقلم هانى الميهى  

أجنحة مكسورة (الفصل الثالث – ذاكرة الزجاج) بقلم هانى الميهى

 

الثقة مثل زجاجٍ شفاف، نظنّه متينًا لأنه يتيح لنا أن نرى من خلاله بوضوح، لكنّه في الحقيقة هشّ، قابِل للكسر عند أوّل ارتطام.

نمدّ قلوبنا إلى الآخرين كما نمدّ اليد إلى نافذةٍ مفتوحة، نعتقد أنّ الهواء نقيّ، والسماء صافية، لكنّ الزجاج حين يتحطّم فجأة، تتناثر شظاياه في الداخل قبل الخارج.

 

الخيانة لا تسرق الماضي فقط، بل تسرق الثقة في المستقبل.

فبعد الانكسار، لا تعود قادرًا على أن ترى الأشياء كما كانت.

كلّ وعدٍ جديد تتذكّر خلفه وعدًا مكسورًا، وكلّ ابتسامةٍ تُذكّرك بوجهٍ غادر، وكلّ كلمة “أنا معك” تتردّد في أذنك ممزوجةً بمرارة “كنت معك”.

 

إنّ الذاكرة لا تُخزّن الأحداث كما هي، بل تُعيد تشكيلها ببطءٍ، تضيف إليها ألمًا لم يكن موجودًا وقتها، وتُضخّمها حتى يصير المشهد أكبر من احتمالك.

ولهذا تُشبه الذاكرة الزجاج المحطّم: كلّما حاولتَ أن تلمسه لتتذكّره، جَرَحتك أطرافه.

 

من يعيش الخيانة أو الخذلان يتعلّم درسًا قاسيًا: أن كلّ ثقةٍ هي مخاطرة.

لكن، هل يمكن للإنسان أن يحيا بلا ثقة؟

كيف يمشي في الطريق دون أن يمدّ يده يومًا ليستند؟

كيف يواجه الحياة وهو يخشى أن يكون كلّ شيءٍ خدعة، وكلّ قلبٍ فخًّا، وكلّ ابتسامةٍ قناعًا؟

 

قد نحاول أن نُقنع أنفسنا أنّ الماضي انتهى، وأنّ ما تحطّم انتهى زمنه.

لكن الحقيقة أنّنا نحمل ذاكرة الزجاج معنا، في نظراتنا، في قراراتنا، في علاقاتنا الجديدة.

كلّما اقترب أحدٌ من قلبنا، يتردّد السؤال المرير: هل سيكسرني كما فعل غيره؟

 

ومع ذلك، يبقى في أعماق الإنسان توقٌ لا ينطفئ: توقٌ إلى أن يُصدّق من جديد، أن يضع ثقته بلا خوف، أن يرى في عيون الآخرين مرآةً لروحه لا سكينًا لطعنه.

فالروح، مهما تعلّمت القسوة، تظلّ تبحث عن يدٍ صافية لا تخون.

 

فهل نستطيع أن نمحو ذاكرة الزجاج المكسور؟

أم أنّنا سنظلّ نرى العالم كلّه من خلال شظاياه الحادّة؟