ولادة جديدة بقلم بلال حسان الحمداني
“لقد صمنا عن الأفراح دهراً
وأفطرنا على طبق الكرامة
فسجّل يا زمان النصر سجّل
دمشق لنا إلى يوم القيامة.”
تلك كلمات تغنى بها أحدهم. بعد سنون حالكات لم تُكشف بهن ليل دمشق. وبعد قنوط شاهق، وآهاتٍ وأسىً عريض، وغصّات متوالية، ويأس قاتم وضغوط شديدة؛ جاء رجال صنعوا بركاننا الخالد، وغدُنا العظيم، وأملنا الذي كان متروكًا. كتبوا ملحمة الجحيم للطغاة، فـ “الله أكبر، كم في النصر من عجب”!
أعلم أن الفرحة أقل من أن تُصوَّر بكلمات. ولو كنتُ من أرباب البلاغة، فيعجز البيان وتجفّ الأقلام أمام هذه الفرحة العظيمة. غير أنها محاولة للتعبير، فحسب.
ها قد انكشفت ليالي الدجى الحالكة عن صبحٍ مُنبلِج وفجر مجد تسامى. أشرقت به شمس الحرية وتفتق الفرح في قلوب الملايين من أبناء شعبنا المكلوم، وأطلّ الزهر جَذْلاناً. قرَّت عيون الثكالى والأرامل واليتامى، ووُلد لسوريا يوم تاريخي. عمَّت الأفراح التي طال احتباسها عقوداً من الدهر في قلوب السوريين.
لقد اتجهت أفراح الشعب إلى المجاهدين الذين سارت بهم عزيمتهم نحو التضحية والفداء، ولسان حالهم يقول:
إلى أي حينٍ أنتَ في زيِّ مُحْرِمِ؟
وحتى متى في شقوةٍ وفي كَمِّ؟
وإلا تَمت تحت السيوف مكرَّماً
تمتَ وتقاسي الذل غير مكرَّمِ
فَثِبْ واثقاً بالله وثبة ماجدٍ
يرى الموت في الهَيْجا جَنَى النحلِ في الفمِ
فأُهدّيَ هذا النصر لأبناء سوريا الذين كتبوا في الثامن من كانون الأول هذا الانتصار العظيم. كانت لحظات تلاشت فيها قيود الزمن، فكان تاريخاً فُتح به سجل جديد. صاح مجد سوريا الخالد من أعماق التاريخ: “استقبلي يا شام عصرك الجديد بأذان المساجد، وأعلي صوت الله أكبر!” فأذّني بصوتك بالأفراح، وتلقَّ أيها الشعب هذا النصر المؤزَّر بقلوب فيها روح المعركة وأكباد عرفت مَسَّ النار.
لَعَمْرِي، لقد غمر قلوب الشعب فرحة كانت ولادة جديدة لهم، فكأنها نفخت الروح بهم من جديد، وكأن في ضلوع كل سوريٍّ أجنحةً يحلق بها لفرط السعادة. حمداً لله على عامٍ أُغيثَ فيه الناس من بعد سنينَ عجافٍ طوال، فقد وجدنا ريح الفرح، وعادت عيوننا تبصر النور بعد سنينَ من الليالي أرخت سدولها علينا بأنواع الهموم.
فـ “جعل الله بعد عُسْرٍ يُسراً، وبعد عِيٍّ بياناً”.
وعادت دمشق أموية كما كانت، وكما قال القائل:
قُم ناجِ جِلَّقَ وَاِنشُد رَسمَ مَن بانوا
مَشَت عَلى الرَسمِ أَحداثٌ وَأَزمانُ
هَذا الأَديمُ كِتابٌ لا انكِفاءَ لَهُ
رَثُّ الصَحائِفِ باقٍ مِنهُ عُنوانُ
بَنو أُمَيَّةَ لِلأَنباءِ ما فَتَحوا
وَلِلأَحاديثِ ما سادوا وَما دانوا
كانوا مُلوكاً سَريرُ الشَرقِ تَحتَهُمُ
فَهَل سَأَلتَ سَريرَ الغَربِ ما كانوا
عالينَ كَالشَمسِ في أَطرافِ دَولَتِها
في كُلِّ ناحِيَةٍ مُلكٌ وَسُلطانُ
لَولا دِمَشقُ لَما كانَت طُلَيطِلَةٌ
وَلا زَهَت بِبَني العَبّاسِ بَغدانُ
آمَنتُ بِاللَهِ وَاِستَثنَيتُ جَنَّتَهُ
دِمَشقُ روحٌ وَجَنّاتٌ وَرَيحانُ
أما ونحن الآن أمام همٍّ أكبر، ومسؤولية كبيرة، وأمانة عظمى، ألا وهي أن ننهض بوطننا من جديد، وأن نرقى للعلى، ونعيد تلك الأمجاد. وكأن أمير الشعراء أحمد شوقي يرسل لنا هذه الوصية قبل مئة عام، وكأنها تتحدث بلسان حالنا اليوم:
يا فِتيَةَ الشامِ شُكراً لا اِنقِضاءَ لَهُ…
لَو أَنَّ إِحسانَكُم يَجزيهِ شُكرانُ
ما فَوقَ راحاتِكُم يَومَ السَماحِ يَدٌ
وَلا كَأَوطانِكُم في البِشرِ أَوطانُ
خَميلَةُ اللَهِ وَشَّتها يَداهُ لَكُم
فَهَل لَها قَيِّمٌ مِنكُم وَجَنّانُ
شيدوا لَها المُلكَ وَاِبنوا رُكنَ دَولَتِها
فَالمُلكُ غَرسٌ وَتَجديدٌ وَبُنيانُ
لَو يُرجَعُ الدَهرُ مَفقوداً لَهُ خَطَرٌ
لَآبَ بِالواحِدِ المَبكِيِّ ثَكلانُ
المُلكُ أَن تَعمَلوا ما اِستَطَعتُمو عَمَلاً
وَأَن يَبينَ عَلى الأَعمالِ إِتقانُ
المُلكُ أَن تُخرَجَ الأَموالُ ناشِطَةً
لِمَطلَبٍ فيهِ إِصلاحٌ وَعُمرانُ
المُلكُ تَحتَ لِسانٍ حَولَهُ أَدَبٌ
وَتَحتَ عَقلٍ عَلى جَنبَيهِ عِرفانُ
المُلكُ أَن تَتَلافَوا في هَوى وَطَنٍ
تَفَرَّقَت فيهِ أَجناسٌ وَأَديانُ
نَصيحَةٌ مِلؤُها الإِخلاصُ صادِقَةٌ
وَالنُصحُ خالِصُهُ دينٌ وَإيمانُ
وَالشِعرُ ما لَم يَكُن ذِكرى وَعاطِفَةً
أَو حِكمَةً فَهوَ تَقطيعٌ وَأَوزانُ






المزيد
اصمد يا قلبي فهذا ليس مكانك بقلم سها مراد
كُـن أنـت بقلم فاطمة فتح الرحمن أحمد
للظـلام عـيون فاطمة فتح الرحمن أحمد