مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

ميزان_القلوب

ميزان_القلوب

 

الحلقة الثامنة عشر #قوة_الصمت

بقلم الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد

 

رمضان كريم، جعله الله شهر التأمل، لتعلّم القلوب أن الصمت أحيانًا أبلغ من الكلام، وأن القوة الحقيقية تكمن في الهدوء والسكينة.

استيقظ آدم في صباح اليوم الثامن عشر وهو يشعر بشيء مختلف… شعور غامض لكنه ممتلئ بالطمأنينة. لم يكن بحاجة اليوم للكثير من الحديث، ولا للحركة الصاخبة، بل شعر أن قلبه يحتاج إلى الصمت، إلى لحظة توازن داخلية، إلى فرصة لسماع ما يهمس به قلبه من دون إزعاج العالم الخارجي.
في طريقه إلى العمل، لاحظ حركة الناس المعتادة حوله: السيارات، أصوات الباعة، صخب الشوارع… لكنه هذه المرة لم يشعر بالانزعاج، بل شعر أن كل شيء جزء من الحياة، وأنه يستطيع أن يكون هادئًا وسط كل الضوضاء. توقف عند مقهى صغير، جلس على الرصيف قليلاً، وأغلق عينيه للحظات، مستمتعًا بالنسيم الذي يمر، وسماع أصوات الطبيعة البسيطة بين صخب المدينة. – الصمت… أحيانًا أبلغ من كل الكلام… تمتم لنفسه.
وصل آدم إلى المكتب، فوجد سامي منزعجًا بسبب خلاف صغير مع زميل في العمل. جلس آدم بجانبه ولم يتحدث فورًا، بل اكتفى بالابتسامة الهادئة، فشعر سامي بالراحة دون أن يفهم السبب. قال آدم أخيرًا: – أحيانًا السكوت بيحل مشاكل أكتر من الكلام… بس لازم يكون صمت واعي… مش تجاهل أو ضعف.
دخل يوسف بعد قليل، وكان يحمل أخبارًا عن مشروع قديم لم ينجح. تحدث الجميع عن المشكلة، لكن آدم اكتفى بالاستماع، دون مقاطعة أو إصدار أحكام، مكتفيًا بأن يعرض صوته الهادئ حين يحتاجون نصيحته. شعر الجميع بالاطمئنان، وأدركوا أن الصمت الواعي أحيانًا يعطي مساحة للحلول لتظهر بنفسها.
قبل المغرب، عاد آدم إلى البيت، ووجد الحاجة فاطمة جالسة بهدوء، ممسكة بكوب شاي، وقد بدت على وجهها علامات التفكير العميق. جلس بجانبها وقال: – إيه يا أمي؟ أجابت بهدوء: – أتعلمت إن أحيانًا الكلام مش مطلوب… الصمت يعيد ترتيب الأفكار ويهدّي القلب.
دخلت مريم بعد قليل، وجلبت معها مشاكل صديقة مشتركة، لكنها كانت متوترة للغاية. أمسك آدم بيدها وقال: – خدي نفس… واستمعي… أحيانًا أهم حاجة إنك تسمعي أكتر من ما تتكلمي… وده هيساعدك تلاقي الحل.
حين أذّن المغرب، جلس الجميع على المائدة، لكن آدم كان يفكر في كل موقف حدث اليوم:
قوة الاستماع أكثر من الكلام،
الصمت الواعي أمام الغضب أو الخلاف،
إعطاء الفرصة للآخرين للتعبير قبل التدخل،
وكيف أن الصمت أحيانًا يوضح الرؤية ويهدئ القلوب.
بعد صلاة التراويح، جلس آدم في المسجد وسمع الشيخ سالم يقول: – الصمت أحيانًا يكون أقوى من كل كلمات العالم… لأنه يعطي الوقت للقلب ليفهم نفسه وللآخرين ليجدوا طريقهم.
عاد آدم إلى البيت في هدوء، وأمسك مذكّرته وكتب: يا رب، علّمني قوة الصمت… وكيف أستمع قبل أن أتكلم، وكيف أهدّي قلبي قبل أن أزعج الآخرين.
في تلك الليلة، شعر آدم أن ميزان القلوب بدأ يميل نحو توازن أعمق، توازن يعتمد على القدرة على الاستماع، على الصبر، وعلى فهم أن أحيانًا أكبر قوة تكمن في السكينة والهدوء أكثر من أي فعل ظاهر.

النصيحة: الصمت أحيانًا يكون أبلغ من الكلمات… تعلم كيف تسمع قلبك قبل أن تتحدث، وستجد أن القلوب حولك أصبحت أكثر قربًا وسلامًا.
انتظروا الحلقة القادمة 🌙