مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ بقلم هاني الميهى

الفصل الثالث
الألم الذكي والألم الغبي
اسم الكتاب: لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ
اسم الكاتب: هاني الميهى

ليس كل ألمٍ شرفًا،
ولا كل معاناة قيمة،
ولا كل صبر بطولة.
هذه من أخطر المغالطات التي دمّرت وعي الإنسان،
حين تم تقديس الألم لذاته،
وتحويل المعاناة إلى وسام،
وجعل الصبر هدفًا مستقلًا عن النتائج.
الحقيقة أكثر دقة، وأكثر قسوة:
هناك ألم ذكي،
وهناك ألم غبي.
الألم الذكي هو الألم الذي:
يقود إلى وعي
ينتج خبرة
يخلق نضجًا
يبني قرارًا أفضل
يصنع نسخة أقوى منك
أما الألم الغبي فهو الألم الذي:
يتكرر بلا نتيجة
يستنزف بلا تعلم
يُهلك بلا معنى
يُعاد إنتاجه بنفس الأخطاء
يُبرَّر بدل أن يُعالَج
كلاهما مؤلم،
لكن أحدهما استثمار،
والآخر خسارة صافية.
المشكلة أن كثيرًا من الناس لا يتألمون لأنهم يسيرون في طريق صعب،
بل لأنهم يسيرون في طريق خاطئ ويرفضون الاعتراف بذلك.
فيصبرون على ما لا يُحتمل،
ويتحملون ما لا يُصلح،
ويقدّسون ما يجب تغييره،
ثم يسمّون ذلك “رضا” و“تسليمًا”.
وهذا ليس إيمانًا،
بل هروبًا مُقنّعًا.
الألم الذكي يعلّمك.
الألم الغبي يكسرك.
الألم الذكي يجعلك تسأل:
ما الذي يجب أن أغيّره؟
الألم الغبي يجعلك تردد:
هذا قدري ولا حيلة لي.
الألم الذكي يُنتج وعيًا.
الألم الغبي يُنتج تبلدًا.
والفرق بينهما ليس في شدة الوجع،
بل في نتيجة الوجع.
الإنسان خُلق في كبد،
لكن لم يُخلق ليعيش في عبث.
الكبد له وظيفة:
أن يُنضجك،
أن يُهذبك،
أن يكشف ضعفك،
أن يعيد ترتيب أولوياتك،
أن يعلّمك إدارة نفسك والعالم من حولك.
فإذا لم يحدث ذلك،
فأنت لا تعيش كبدًا…
أنت تعيش استنزافًا.

ومن أخطر أشكال الألم الغبي:
البقاء في بيئة تُهينك باسم الصبر
الاستمرار في علاقة تُحطمك باسم الوفاء
العمل في مسار يُفرغك باسم الرزق
تحمّل الظلم باسم الحكمة
تأجيل القرار باسم التروي

كل ذلك ألم،
لكنه ألم بلا قيمة.
أما الألم الذكي فهو:
أن تتألم وأنت تتعلم
أن تخسر وأنت تفهم
أن تُجرح وأنت تنضج
أن تُختبر وأنت تتقوّى
أن تتأخر وأنت تعيد الحسابات
هذا الألم لا يدمّرك،
بل يعيد تشكيلك.

الله لم يخلق الإنسان في كبد ليُهلكه،
بل ليُخرجه من السذاجة إلى الوعي،
ومن التلقائية إلى الاختيار،
ومن الغريزة إلى البصيرة.
فإذا كان ألمك لا يقودك إلى فهم أعمق،
ولا قرار أذكى،
ولا رؤية أوضح،

فاعلم أنك لا تستثمر الكبد…
بل تستهلك نفسك.
وهنا يتحول الصبر من فضيلة إلى عبء،
والتحمل من قوة إلى غباء،
والثبات من حكمة إلى جمود.
العاقل لا يهرب من الألم،
لكنه يفاوضه.

يسأله:
ماذا تريد أن تعلّمني؟
إلى أين تريد أن تدفعني؟
ما القرار الذي أتهرب منه؟

فإذا أجاب،
صار الألم معلمًا.
وإذا صمت،
صار الألم عبثًا.

رسالة الفصل
ليس المهم أن تتألم،
بل أن تعرف لماذا تتألم،
وإلى أين يقودك هذا الألم.

#لقدخلقناالإنسانفيكبد
#هاني_الميهي