بقلم: يحيى القطب
﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾
لم تعد الموؤدة تُدفن في الرمال، بل صارت تُدفن في بيوتٍ مغلقة، خلف جدرانٍ تسمع ولا تشهد، وفي ظل مجتمعٍ لا يسأل إلا بعد فوات الأوان. وإذا الموؤدة سُئلت، فلن يكون السؤال موجهًا لها وحدها، بل لنا جميعًا: أين كنتم؟
مسلخ في هيئة بيت
امرأةٌ تنجب ثم ترمي طفلتها في يد رجلٍ لا صلة له بها، ورجلٌ يظن نفسه أبًا فيتحول إلى جلاد، وجدٌ يشارك، وزوجةٌ تُكمل الجريمة بالحرق. طفلة في الرابعة من عمرها سُحقت بدم بارد داخل بيتٍ يفترض أن يكون ملاذًا لها، لا مسلخًا وقبرًا. وفتاتان آخرتان تُنتهك براءتهما على يد من كان يُفترض أن يكون سندًا، فانقلبت الكلمة في واقعنا المرير: من “عمّ” إلى “غم”.
ثم نقف جميعًا مذهولين؛ نصرخ، نلعن، ونكتب.. وكأننا أبرياء، لكننا لسنا كذلك! لن أسرد تفاصيل الجريمة، فقد فعلت ذلك كل المنصات وتسابقت إليه الأقلام، لا حبًا في الضحايا، بل عشقًا لـ “الصدمة”. فالجريمة في إعلامنا تُنشر بسرعة وتُزيَّن بالعناوين وتُستثمر في “التريند”، ثم تُترك للنسيان. أما العدالة، فتبدو بطيئة وثقيلة، ولأنها لا تصلح للاستهلاك السريع، يُعرض عنها الكثيرون.
شراكة الصمت واللامبالاة
وهنا يتجلى السؤال المفزع: كم “سما” مرّت علينا حتى الآن؟ كم صرخةً سمعناها ولم نُصغِ لها؟ الحقيقة التي لا نفر منها هي أننا نتابع “الإثارة” ولا نتابع “العدالة”. أيُّ قلبٍ هذا الذي ينام وطفلةٌ تُسحق على بُعد جدار؟ أم أن الصوت حين يتكرر يتحول إلى “ضوضاء معتادة”؟
ما حدث ليس سقوطًا عابرًا، بل انحدارٌ مكتمل الأركان: إدمانٌ أعمى، وانفلاتٌ يهدم القيم، ومسؤوليةٌ غائبة، وجيرةٌ بلا معنى. الجريمة لم تكن فعلًا مفاجئًا، بل كانت نتيجةً مؤجلة لصمتٍ طويل نُغلفه بعبارات مهذبة مثل “مش شغلنا” أو “خلينا في حالنا”، وهي في الحقيقة “شراكة غير معلنة” في الجرم.
بين العقاب والوقاية
نحن بارعون في كتابة “النهاية” والمطالبة بأقصى العقوبات، لكننا لا نسعى أبدًا للمنع في “البداية”. هؤلاء الذين سقطوا خارج الإنسانية يستحقون عقابًا يتحاكى به أهل الأرض، لكن العقاب وحده ليس كافيًا. المشكلة تكمن في “الفرصة”؛ بيت مغلق بلا رقابة، خوف يمنع التبليغ، ومجتمع يفضل السلامة على المواجهة.
إن ما حدث مع “سما” مرتبط بتشققات أخرى تنخر في جسد المجتمع؛ انظروا إلى الأطفال الذين يمدّون أيديهم عند الإشارات، هؤلاء ليسوا ظاهرة منفصلة، بل هم ضحايا لم يُحموا ولم يُصانوا، فانتهى بهم المطاف كسلع في الطرقات.
الفخ والانهيار
لا تحتاج دائمًا إلى جريمة صريحة لتهدم مجتمعًا، يكفي أن تصنع الظروف السيئة وسيأتي الانهيار وحده. من التسول إلى الاستغلال وصولًا إلى القتل، هي دائرة واحدة تدور.
سما لم يقتلها مجرم واحد، بل قتلتها منظومة كاملة: مجرم فعل، ومجتمع صمت، وعدل تأخر، وإعلام استهلك المأساة ثم رحل. لن أسأل: من المجرم؟ بل سأسأل السؤال الذي نهرب منه: كم شخصًا كان بإمكانه أن يمنع ذلك ولم يفعل؟ كم “سما” وُئدت؟ وكم سما أخرى سنتركها تصرخ حتى تموت؟






المزيد
إرث الوعي الصامت: ماذا نترك في حقائب صغارنا النفسية؟
كيفية التعامل مع “ألم الروح” والإسعاف النفسي الأولي
العُمر يُقاس بالسنين.. أما العقل فيُقاس بالوعي