الفصل الرابع – ارتقاء النفس
كتاب وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا بقلم الكاتب هاني الميهى
عنوان الجزء الأول: رحلتي مع سلم النفس (البداية)
لم أدرك فى بداياتي أن للنفس سُلّمًا تُصعَد دَرَجاته كما تُصعَد الجبال، وأن كل درجةٍ فيه لها ثمنٌ لا يُدفَع بالمال، بل يُدفَع من رصيد الصبر، وضبط الشهوة، وإرادةٍ لا تخضع لرفاهية التردد. كنتُ أظن أن تهذيب النفس حديثٌ مثالى يُتلى فى المجالس، أو حكمة تُردَّد فى لحظات الفتور. لكننى اكتشفت – بعد عبور محطاتٍ مُتعبة – أن الارتقاء ليس شعارًا يُعلَّق، بل جهادًا يُعاش..
فى تلك الرحلة، وجدت أن النفس لا تُعطى ثمارها دفعة واحدة. هى لا تُشبه الأرض التى تُحرث فتنبت، بل تُشبه الصخرة التى تُطرق ألف مرة حتى تلين. وكل ضربةٍ عليها تُشعر الإنسان أن داخله شيئًا ينكسر وشيئًا يُولد، شيئًا يذبل وشيئًا يشتدّ. ولعلّ هذا التناقض هو الذى يجعل السائر فى طريق الارتقاء مُعلَّقًا بين إحساس الخسارة وإحساس الاكتساب.
كنتُ أقف مع نفسى طويلًا، محاولًا أن أفهم لماذا ترفض الطاعة حين أدعوها، وتطلب الهوى حين أنهرها. لماذا تُضعفنى فى لحظة، ثم تُقوينى فى لحظة أخرى؟ ولماذا تُشبه طفلًا مُدللًا تارة، وجنديًا مُنضبطًا تارة أخرى؟ أدركتُ لاحقًا أن النفس ليست كتلة واحدة، بل طبقات تتفاوت فى الصوت والتأثير، وأن الارتقاء يبدأ حين يختار المرء الطبقة التى تُوجِّه السفينة، لا تلك التى تُغرقها.
وفى ممرات الارتقاء الأولى، صادفت مقاومةً شرسة. النفس لا تُسلّم قيادها بسهولة، بل تُناور، وتحتال، وتختلق الأعذار وكأنها تعرفنى أكثر مما أعرفها. كنتُ أقول لنفسي: “كيف تُجاهد شيئًا يسكن داخلك؟ وكيف تُحارب خصمًا ينام فى صدرك؟” لكننى أدركت أن الخصم الأقرب هو الأكثر تأثيرًا، وأن معركة الداخل أعظم من معركة الخارج مهما تضخّم الخارج وطغى.
وتعلمت أن أول درجة فى سلم النفس هى الاعتراف، لا أمام الناس، بل أمام الذات. أن تقول لنفسك بلا تزييف: “نعم، فى داخلى نقيصة تحتاج إلى تقويم”. الاعتراف ليس ضعفًا، بل بداية القوة. إنكار العيب لا يُلغيه، بل يُرسّخه. أما مواجهته فهى ضوءٌ يفتح طريقًا لا يراه إلا من يجرؤ على النظر فى عمقه.
ثم جاءت الدرجة الثانية: ضبط الرغبات. اكتشفت أن الرغبة ليست عدوًا، بل طاقةٌ حيّة؛ إن لم تُدار انقلبت على صاحبها. النفوس التى تُسيّرها رغباتها تُشبه سفينةً تُحرّكها الرياح، لا قبطان لها. أما النفوس التى تُدير رغباتها فهى سفينةٌ تُمسك الدفة مهما اضطرب البحر.
وكانت الدرجة الثالثة أصعبهنّ: أن أُحاسب نفسى قبل أن تُحاسَب. أن أجلس فى آخر كل يوم، لا لأعدّ أخطاء الآخرين كما اعتدت، بل لأعدّ أخطاء هانى نفسه. كنت أكتشف أن الإنسان حين يُراجع خطواته بصدق، يكتشف أن أكبر معاركه لم تكن مع البشر، بل مع قراراتٍ اتخذها وهو غافل.
فى هذه الرحلة الطويلة، أدركت أن سلم النفس ليس مرقاة تُصعدها مرّة ثم تستريح، بل هو سُلّمٌ لا نهاية له؛ كلّما بلغت درجةً كشفت لك ما فوقها، وكلما ظننت أنك أدركت الغاية، ظهر لك أن الغاية ما تزال تنتظرك فى مستوى أعلى من الصبر، أعمق من الإدراك، وأشدّ من الثبات.
الرسالة الختامية للجزء
إن النفس لا ترتقى بالهروب من نقصها، بل بمواجهته. والصعود يبدأ من قرارٍ صغير يتّخذه الإنسان وهو يعلم أن الطريق طويل، لكنه يمضى فيه لأنه الطريق الصحيح، لا الطريق الأسهل.
#هاني_الميهى
#وَنَفْسٍوَمَاسَوَّاهَا






المزيد
اصمد يا قلبي فهذا ليس مكانك بقلم سها مراد
كُـن أنـت بقلم فاطمة فتح الرحمن أحمد
للظـلام عـيون فاطمة فتح الرحمن أحمد