على حافة الغياب
بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر
على حافةٍ تشبه آخرَ الكلام، وقفتْ وحدها.
لم تكن الحافةُ من صخرٍ فقط، بل من أعوامٍ تراكمت في صدرها كغيومٍ ثقيلة، من أسئلةٍ لم تجد لها جوابًا، من خيباتٍ تساقطت كأوراق الخريف ولم يلتقطها أحد.
الريحُ كانت تعصف بشعرها الطويل، كأنها تحاول أن تعيده إلى الخلف، إلى زمنٍ كانت فيه أخفّ، أكثر تصديقًا للحياة.
وثوبها الأبيض يرفرف كروحٍ أنهكها الانتظار، روحٍ لم تعد تخشى السقوط بقدر ما تخشى البقاء معلّقة بين السماء والأرض.
السماءُ فوقها ملبّدة، ليست غاضبة، بل حزينة.
غيومها داكنة كقلبٍ حمل الكثير ولم يشكُ، كعينٍ بكت حتى جفّت ولم تجد من يمسح دمعها.
البرق البعيد لا يهددها، بل يذكّرها أن في الأعماق عاصفة لا تُرى، عاصفة تسكن داخلها منذ زمن.
هي لا تقف على حافة جبل،
بل على حافة قرار.
على حافة ذكرى لم تعد تحتملها،
على حافة اسمٍ كانت تهمسه كل ليلة حتى صار صدًى بلا صاحب.
كم مرةً حاولت أن تعود؟
أن تقنع قلبها بأن الصبر يكفي، بأن الوقت يشفي، بأن الغياب مجرّد مرحلة؟
لكن الوقت كان يمشي ببطءٍ جارح، والصبر كان ينفد قطرةً قطرة، والغياب كان يتمدد حتى صار وطنًا لا ملامح له.
مدّت ذراعيها قليلًا، كأنها تختبر الهواء.
ليس بحثًا عن طيران، بل عن توازنٍ فقدته منذ أن تعلّمت أن بعض القلوب حين تنكسر، لا يصدر عنها صوت.
تنكسر في صمتٍ مهذّب، وتتابع الحياة كأن شيئًا لم يكن.
في تلك اللحظة، لم تكن تريد أن تسقط،
ولا أن تنجو.
كانت تريد فقط أن تشعر بشيءٍ حقيقي،
شيءٍ أقوى من الفراغ الذي يأكلها من الداخل.
الريح تهمس لها: “اتركي كل شيء.”
والأرض خلفها تقول: “عودي.”
أما هي، فكانت عالقة بين الهمستين، بين خوفٍ قديم ورغبةٍ في التحرر، بين حبٍ لم يكتمل وقلبٍ تعب من المحاولة.
كانت تعرف أن الحافة لا تصنع النهاية،
بل تكشف الحقيقة.
حقيقة أن الإنسان قد يصل يومًا إلى أقصى حدٍّ من الألم، فيكتشف أنه لم يعد يخافه.
وأن السماء، مهما اسودّت، تظل أوسع من صدرٍ ضاق طويلًا.
وقفت هناك، لا لتعلن سقوطها،
بل لتواجه نفسها.
لتقول لكل ما انكسر فيها:
“أنا هنا.
ما زلتُ هنا، رغم كل شيء.”
وفي عينيها، خلف الحزن العميق،
كان ضوءٌ صغير، خافت…
لكنه لم ينطفئ.






المزيد
القلم و الورقة بقلم عبدالرحمن غريب
شمس جديدة بقلم عبدالرحمن غريب
رمضان… ميزان القلب بقلم الكاتب هاني الميهى