مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

حين ينضج الرفض – الكاتب هاني الميهى

حين ينضج الرفض
هانى الميهى

في لحظاتٍ كثيرة من حياتنا، نقف أمام أشياء وأشخاص وأفكار، فنشعر برغبة عارمة في دفعها بعيدًا، وكأننا نغلق الباب في وجهها إلى الأبد.
نرفض لأننا لا نفهم، أو لأننا لم نجرّب، أو ربما لأننا نخشى أن تزعزع ما اعتدنا عليه.
لكن الحقيقة أن كل رفضٍ نحمله اليوم قد يتبدّل مع الزمن، ويتحوّل إلى قبول، بل إلى امتنان أننا التقينا به ولو متأخرين.

الحياة أعقد من أن تُحكم بلحظة شعور واحدة، والزمن أبرع المعلّمين في كشف المعاني المخفية خلف ما نُقصيه عن قلوبنا.
كم من شخصٍ ابتعدت عنه ظنًا أنه عبء، ثم اكتشفت أنه كان فرصة للإنقاذ؟
وكم من فكرةٍ رميتها بالسذاجة أو اللامعقول، فإذا بها بعد سنوات تبدو أكثر حكمة من أحلامك الكبيرة؟

النضج الروحي والعقلي لا يولدان في يومٍ واحد، بل يتشكلان عبر المواقف، والانكسارات، والانتصارات الصغيرة، وتلك اللحظات التي نتراجع فيها عن قناعاتنا القديمة بسلام.
فالقسوة على الأفكار قبل أن نفهمها، تُشبه الحكم على كتاب من غلافه، أو رفض طعام لم تتذوقه قط.
واللين في التلقي لا يعني أن نتنازل عن قيمنا، بل أن نمنح أنفسنا فرصة للتأمل قبل أن نصدر الحكم.

الزمن سيُعيد ترتيب قناعاتك، وسيضع في قلبك أشياء كنت تراها عبئًا، وسيأخذ منك ما كنت تراه غنيمة.
فلا تجعل لحظة الانفعال هي التي تُقرّر مصير علاقاتك، أو أفكارك، أو حتى أحلامك.

قد يكون ما ترفضه اليوم هو ما تتمنى غدًا لو عاد، وقد يكون ما تتمسّك به الآن هو أول ما تتخلى عنه حين تتغير الظروف.
فهل نترك مساحة للانتظار، ونُهدي أنفسنا فرصة أن نرى الصورة كاملة؟ أم نستمر في غلق الأبواب قبل أن نعرف ماذا يوجد خلفها؟