يا راحلًا والروحُ خلفَك تاهتِ
كيفَ الحياةُ وقد غدَتْ مُتشاحِتِ؟
يا صاحبَ العُمرِ الذي ما خُنتهُ
أبكيكَ حُزنًا والدموعُ شواهِدِ
قد كنتَ ظِلّي حينَ أجهَدَني الأسى
واليومَ وحدي في الدروبِ الشاهِدِ
أينَ الرفيقُ وأينَ وعدُ بقائنا؟
ضاعَ الكلامُ وصارَ حلمًا شاردِ
يا من رحلتَ ولم تُودِّع خطوتي
أوجعتَ قلبي بالغيابِ العارِضِ
رحلتَ ولكنْ ما رحلتَ عن المدى
فذكراكَ نبضٌ في الفؤادِ الخالدِ
لو كانَ دمعي يُرجعُ المفقودَ لي
لبكيتُ حتى ينطوي ذا المشهدِ
لكنني أرنو لرحمةِ خالقي
علَّ اللقاءَ يكونُ في دارِ الخلِدِ
أمضي وأحملُ في فؤادي لوعةً
كالنارِ تأكلُ مهجتي وتتجدّدِ
كلُ الأماكنِ حولَ قلبي موحِشةٌ
لا طيفَ منك ولا حنينٌ عائِدِ
ناديتُ باسمِكَ في الليالي علَّني
أحظى بصوتِكَ أو بظلٍ شاردِ
لكنَّ صمتَ القبرِ كانَ جوابَنا
وبقيتُ وحدي بالأسى أتعابِدِ
يا ليتني كنتُ الترابَ بكَفنِك
أو كنتُ ظلًّا في الرُبى يتوارَدِ
مالي وحيدًا أستجيرُ بذكركم
هل تنفعُ الذكرى لمن هو راقدِ؟
ما عادَ لي طَيفٌ يُواسيني هنا
إلا الدعاءُ وسورةٌ في الساجدِ
يا ويحَ قلبي كيفَ طابَ لغيركم
عيشٌ وأنتَ براحتي مُتباعدِ؟
حولي وجوهٌ ألفُها لكنّني
لا أرتضي إلا رفيقَ الماهدِ
كم من دموعٍ قد هطلتْ كأنّها
سيلٌ يُغرقُ خاطري المتباعدِ
يا قبرَ من أحببتُ كيفَ تحملتَ
شوقي وصوتي في الرجاءِ العابدِ؟
أشتاقُ حتى ينتهي صبري وما
ينهي الفراقُ بقلبيَ المتضادِ
لو كنتُ أدري أنّ شمسَكَ آفِلةٌ
ما كنتُ عنكَ لثانيةٍ بأباعدِ
يا ليتَ قبري كانَ بينَ يديكَ كي
نحيا سويًّا في الظلامِ الخالدِ
لكنَّ حكمَ اللهِ كانَ فراقَنا
والموتُ أقسى ما يخوضُ الماجدِ
أمضي بخطوي مثقَلاً بوجيعةٍ
كالسيفِ غاصَ بمهجتي المتشاهدِ
كلُّ الزوايا قد غدتْ مهجورةً
إلَّا الأسى والقلبُ عنهُ شاردِ
أحادثُ الأشباحَ في ليلِ العنا
أسترجعُ الذكرى وصوتَ الحامدِ
كيفَ السبيلُ إلى لقائِكَ ثانيةً؟
هل للحنينِ رجوعُهُ المتعاهدِ؟
قد كنتَ لي نبضَ الحياةِ ولم يزلْ
نبضي يُنادي اسمَكَ المُتَباعدِ
باللهِ خبّرني هناكَ، أما ترى
شوقي يُمزّقُ في الحنايا العابدِ؟
في كلِّ دربٍ كنتَ أنتَ رفيقَهُ
والآنَ أمشي والطريقُ معاندِ
أحيا كأنَّ الأرضَ ضاقتْ حولَنا
وضللتُ عن بيتٍ لروحي شاهدِ
يا من رحلتَ ولا يزالُ حضورُكُم
طيفًا يُلاحقُ مهجتي ويُعاهدِ
إنّي سأبقى في ودادِكَ مخلصًا
حتى ألقاكَ بروحِنا المتواجدِ
لكنَّ هذا القلبَ يصرخُ موجعًا
كيفَ الحياةُ وقد غدَتْ كالناكدِ؟
أجثو على قبري وأرثي فقدَكم
وأنا الغريبُ، وحولَ روحي جامدِ
كلُّ الذينَ أحبُّهم في حضرتي
لكنَّ وجهَكَ لا يزالُ بِمُبعدِ
يا ليتَ صوتَكَ في الظلامِ يُنادِني
أو همسةً تشفي فؤادِي الواجدِ
قد كانَ بيتُكَ بالأمانِ يُظلِّني
واليومَ بيتي كالجحيمِ المُاردِ
أنفاسُكَ العذراءُ كانت راحتي
والآنَ رائحتُكَ غدتْ كالفاقدِ
لا شيء بعدَكَ يحتويني في الورى
ضاقتْ عليَّ الأرضُ بعدَك شاهدِ
أبكيكَ حتى ظنَّ دمعي أنَّهُ
سيلٌ سيجرفُ ما تبقى الشاردِ
يا ليتَ ربي حينَ أخذكَ قد قضى
أخذِي، فعيشِي بعدَ فقْدِكَ كاسدِ
كلُّ القصائدِ لا تفيكَ بدمعِها
فالصمتُ أبلغُ من حروفِ الكاتبِ
يا قبرُ هل ضمَّ الحبيبَ بلطفِهِ؟
أم أنهُ في وحشةٍ يتناهَدِ؟
نامَ الحبيبُ، ولم تزلْ أنفاسُهُ
في خاطري كالشوكِ جمرًا جامدِ
رحلتَ، لكنْ ما رحلتَ من الدُّجى
لا زلتَ في عيني شعاعَ العابدِ
يا اللهُ صبّرني على حرْقَاتِهِ
واجمعْ فؤادي يومَ يومِ الواعدِ
ما عادَ في الدنيا رجاءٌ يسعدُ
إلا لِقاءٌ تحتَ ظلِّ الراقدِ
قد كنتَ لي كلَّ الحياةِ ولم يزلْ
طيفُكَ يؤلِمُ خاطري المتباعدِ
أُحدِّقُ في الصورِ القديمةِ باكيًا
كأنّني أرجو الحياةَ بجامدِ
أُناديكَ والأيامُ صارت مقبرةً
لا نبضَ فيها، لا صدى للواجدِ
أهيمُ في الطرقاتِ أبحثُ عن صدى
خطواتِكَ العذراءِ بينَ الحاشدِ
لكنَّ وجهَكَ قد تلاشى نورهُ
وغدوتُ وحدي كالملاكِ الشاردِ
كم كنتَ تسألني إذا ضاقتْ بنا
دنياً تضجُّ بهمِّها المتراكمِ
واليومَ أسألُ من أنا في وحدتي؟
ومنِ الحياةُ بغيرِ وجهِك راحمِ؟
حولي جموعٌ لا أرى إلّا الأسى
وكأنَّ صوتَ الكونِ باتَ الصارِمِ
يا قبرَ من أحببتُ خفِّفْ ضمَّةً
قد ضاقَ صدرِي والجراحُ جواهرِ
أشتاقُ أنفاسًا تُبدِّدُ غربتي
ويدًا تُربّتُ أضلعي المتكاسرِ
فالموتُ خطفَكَ يا رفيقي بغتةً
وتركْتَني وحدي كسيفٍ مُكاسِرِ
رحلتَ سريعًا، لم تُودّعْ خافقي
يا ويحَ قلبي كيفَ ينسى الحاضرِ؟
يا ربِّ بلّغهُ السلامَ وقُلْ لهُ
إني هنا، والقلبُ صبرُهُ نادرِ
قد كانَ روحي إن تثاقَلَ خاطري
ونِعْمَ الأخُ، ونِعْمَ قلبُ الطاهرِ
كانَ الذي إن ضاقَ دربي يحتوي
حُزني، وكانَ النورَ في الدربِ العاثرِ
قد كانَ درعًا حينَ غدرتَ بِخطوتي
أيامُ دهرٍ بالحِمامِ تبادرِ
واليومَ أمشي في الحياةِ كسائرٍ
بلا رفيقٍ أو جناحٍ يُسافرِ
من لي إذا ضاقتْ عليَّ جوانحي؟
من ذا سيُسكِتُ أنَّتي والمشاعرِ؟
يا من تركتَ القلبَ بيتًا خاوياً
والعُمرَ صحراءً بصوتِ الكاسرِ
أما تَرى كم قد بكيتُك ليلتي؟
وكأنَّ دمعي في الجفونِ مُهاجرِ
أصرخْ باسمِكَ كلَّ يومٍ علَّني
ألقاكَ في حلمي كسيفٍ مُجاهرِ
أشتاقُ وجهَك كلَّ حينٍ وابتسامَ
الروحِ منك إذا مضى ليَ خاطرِ
يا من رحلتَ وفي فؤادي حسرةٌ
قد صرتَ أغلى من حياةِ الزائرِ
واللهِ ما طابتْ حياتي بعدَكم
وكأنني بينَ الدموعِ أُسافرِ
إنّي أعيشُ بلا حياةٍ بعدَكم
كالميتِ بينَ الناسِ روحٌ حائرِ
يا ليتَ يومي كانَ يومَك علَّني
أفتديكَ عمري والسنينَ الغابرِ
لكنّهُ قدرُ الإلهِ وحكمُهُ
فاللهُ يجمعُنا بجودِ القادرِ






المزيد
وسط زحام الحياة بقلم سها مراد
محراب الوفاء وإقامة العهد ، بين محراب المسجد وضجيج الحياة بقلم الكاتب فلاح كريم
حين لقاء بقلم الكاتبة هيام خالد حماد