يا من تركتَ القلبَ بعدَك موحشًا ، والروحُ تبكي في غيابِ حناتِكْ
يا من رحلتَ ولم تزلْ نبضاتُنا ، تُلقي السلامَ على بقايا صِفاتِكْ
صوتُكْ صلاةٌ في الجوانحِ لم تزلْ ، تُتلى معَ الذكرى، وتُحيي سُباتِكْ
وخطاكَ إن مرّتْ بخاطِرِ دمعتي ، رفّتْ جفونُ العمرِ شوقًا لآياتِكْ
أبي، وهل بعدَ الجِراحِ كعَبرتي؟ ، إنّ البكاءَ تعثّرَ بأنفاسِكْ
يا أولَ الحُبِّ الذي سكنَ الدُجى ، يا دفءَ أيّامي، ونورَ مساراتِكْ
غبتَ، ولكنّ المكانَ مُعلّقٌ ، بصدى ضُحاكَ وبعطرِ لحظاتِكْ
حتى الجدارُ إذا مررتُ أمامَهُ ، يشدو بأنفاسي ويُهديكِ ذاتِكْ
أشتاقُ أن ألقاكَ عندَ مسائلي ، أن تستظلَّ الروحُ تحتَ غُلالاتِكْ
أن أستريحَ بقلبِك المتعبِ الذي ، علّمني صبرَ الحياةِ وصرخاتِكْ
أبي، كأنّ الأرضَ ضيّعتِ السما ، مذ غبتَ، ما عادتْ تجيدُ جهاتِكْ
تركتَ فينا كُلَّ شيءٍ واقفًا ، حتى المدى ضلَّ الطريقَ بخُطواتِكْ
وجهُكْ يزورُ النومَ في لحظاتنا ، كالحلمِ، يحضنُ دمعَنا بملامِحكْ
عيناكْ مرسى للنجاةِ، فهل ترى؟ ، ماتَ الأمانُ بفقدِ ظلِّ مصابيحكْ
كنتَ الحنانَ إذا تكسّرَ قلبُنا ، وكنتَ ضوءَ الصبحِ في انطفاءاتكْ
يا من غرستَ الحبَّ فينا زهرةً ، فمضى الخريفُ بذاكرةِ نبضاتكْ
لو أنّ للأقدارِ قلبًا ناطقًا ، لسألتهُ: “ما بالُ موتِ أبيكْ؟”
ما بالُ حضنٍ كان أوسعَ موطنٍ ، ضاقَ الفضاءُ بفقدهِ، بيديْكْ
رحلتَ يا أبتي، ولكنْ في دمي ، صبرُ النخيلِ وطيبةُ النظراتِكْ
أنا في دعائي كلَّ فجرٍ ساجدٌ ، أرجو الإلهَ لواسعِ الجنّاتِكْ
نامَتْ جِراحي فوقَ ثوبِ غيابِكْ ، وصحا الحنينُ على جراحِ ثباتِكْ
أبي، سكنتكَ الحُروفُ، فكلُّما ، كتبتُ، كانتْ أوّلَ الكلماتِكْ
أبي، وأيُّ حروفِ شعري تُنصفُ الـ ، قلبَ الذي ما عادَ يحسنُ نُطْقَكْ؟
ما عادَ صوتُكَ في المدى يتردّدُ ، ما عادَ دفءُ يديكَ يُهدي شوقَكْ
أبي، كأنَّ الكونَ فارقَ لونهُ ، مذ غبتَ، والضحكاتُ صارتْ سُكونا
كأنَّنا عشنا الحياةَ يتامى ، حتى وإن كنّا بها مُطمئنينا
كلُّ الحكاياتِ التي قد قلتَها ، تُمطرُ على قلبي وتُشعلُ ناري
كم مرّةٍ همستْ ملامحُ صورتكْ ، في حضرةِ الأيّامِ مثلِ انتظاري
أبي، وهل ينسى اليتيمُ منامهُ؟ ، أم ينسى وجهًا ضمَّهُ قبلَ المنامِ؟
أنتَ الحقيقةُ لا تُوارى بالثرى ، أنتَ الجبينُ الطاهرُ المقدامِ
يا زهرةً نبتتْ على صدرِ الوجعْ ، يا نجمةً ما غابَ طيفُك عن سمائي
في كلّ نبضٍ أنتَ تسكنُ داخلي ، وتزيدُ حبًّا رغمَ صمتِ دعائي
دعني أراكَ الآنَ في حلمٍ قصيرْ ، أشتاقُ همسكَ، نظرةً، أو نظرتينْ
دعني أُعيدُ العمرَ نحو طفولتـي ، وأعودُ حضنكَ مثلما كنّا: اثنينْ
أهفو إليك، فكلُّ وقتي موحشٌ ، والذكرياتُ تجوبُ صالاتِ العمرِ
إنّي كسيرُ العُمرِ منذ فُقِدتَ يا ، من كنتَ ترفَعُني وتحمي من كَسري
يا من رحلتَ، وخلّفتَ بقلبيَ الـ ، نارَ التي ما عادَ يُطفئها سوى دُعائي
نمْ في سلامٍ، فإلهُك رحمةٌ ، وأمانُ روحكَ في الجِنانِ سَناي
يا من تركتَ العمرَ نصف حكايةٍ ، وذهبتَ وحدكَ دونَ أن تَروِي الأخيرْ
من بعدِ فقدكَ كلُّ شيءٍ باهتٌ ، والصمتُ صارَ بقلْبِنا صوتَ الكسيرْ
حتى الضياءُ إذا أتى متثاقلاً ، مرَّ الجمالُ عليهِ مثلَ الغائبِ
كلُّ الأمانِ رحلتَ عنهُ دفعةً ، يا من وجودُكَ كانَ ظلَّ الغالبِ
أبتي، أيا وطنًا على صدري سكنْ ، أشتاقُ أن أمشي إليك بلهفةٍ
أشتاقُ صوتكَ حين يُدعيني بلطفْ ، ويضُمّني في لحظةٍ مُتعبهْ خائفهْ
من لي إذا ضاقتْ دروبي بعدَها؟ ، من لي إذا خانَ الزمانُ ملامحي؟
من لي إذا نامَ الجميعُ ولم أجدْ ، غيرَ الحنينِ يُضمّدُ المُتناهِي؟
أبتي، تركتَ القلبَ بينَ عواصفٍ ، لا لُطفَ فيها.. لا حنانَ.. ولا يديكْ
وغدوتُ أنظرُ للسماءِ كأنني ، أرجو بها رؤياكَ بينَ دعائِكْ
اللهمَّ إنَّ أبي سكنَ الثرى ، فارحمهُ يا ربّي بعفوٍ دائمِ
واسكنْهُ فَسْحَ الجِنانِ بجنةٍ ، فيها النعيمُ وسرُّك المُتراحمِ
اغفرْ لهُ، وانظرْ إليهِ بلُطفِك الـ ، باقِي، وجازِهِ بالجنانِ النائمِ
وأسقِ قبرهُ نورًا من الفردوسِ، لا ، ظلمةَ فيهِ، ولا عذابَ القائمِ
اللهمّ إنّي قد فقدتُ سندي، ، فأجعلْ لهُ في الخُلدِ خيرَ مقامي
واجمعْني بهِ في جنةٍ لا تنتهي، ، فالقلبُ ما زالَ ينادي: “يا أبي.. سلامي.”






المزيد
سندي فى الدنيا بقلم د. عبير عبد المجيد الخبيري
رحيل : بقلم: سعاد الصادق
الشمس مشرقة بقلم عبير عبد المجيد الخبيري