مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

ترانيم إلى أبي بقلم فراس النابلسي 

يا من تركتَ القلبَ بعدَك موحشًا ، والروحُ تبكي في غيابِ حناتِكْ

يا من رحلتَ ولم تزلْ نبضاتُنا ، تُلقي السلامَ على بقايا صِفاتِكْ

 

صوتُكْ صلاةٌ في الجوانحِ لم تزلْ ، تُتلى معَ الذكرى، وتُحيي سُباتِكْ

وخطاكَ إن مرّتْ بخاطِرِ دمعتي ، رفّتْ جفونُ العمرِ شوقًا لآياتِكْ

 

أبي، وهل بعدَ الجِراحِ كعَبرتي؟ ، إنّ البكاءَ تعثّرَ بأنفاسِكْ

يا أولَ الحُبِّ الذي سكنَ الدُجى ، يا دفءَ أيّامي، ونورَ مساراتِكْ

 

غبتَ، ولكنّ المكانَ مُعلّقٌ ، بصدى ضُحاكَ وبعطرِ لحظاتِكْ

حتى الجدارُ إذا مررتُ أمامَهُ ، يشدو بأنفاسي ويُهديكِ ذاتِكْ

 

أشتاقُ أن ألقاكَ عندَ مسائلي ، أن تستظلَّ الروحُ تحتَ غُلالاتِكْ

أن أستريحَ بقلبِك المتعبِ الذي ، علّمني صبرَ الحياةِ وصرخاتِكْ

 

أبي، كأنّ الأرضَ ضيّعتِ السما ، مذ غبتَ، ما عادتْ تجيدُ جهاتِكْ

تركتَ فينا كُلَّ شيءٍ واقفًا ، حتى المدى ضلَّ الطريقَ بخُطواتِكْ

 

وجهُكْ يزورُ النومَ في لحظاتنا ، كالحلمِ، يحضنُ دمعَنا بملامِحكْ

عيناكْ مرسى للنجاةِ، فهل ترى؟ ، ماتَ الأمانُ بفقدِ ظلِّ مصابيحكْ

 

كنتَ الحنانَ إذا تكسّرَ قلبُنا ، وكنتَ ضوءَ الصبحِ في انطفاءاتكْ

يا من غرستَ الحبَّ فينا زهرةً ، فمضى الخريفُ بذاكرةِ نبضاتكْ

 

لو أنّ للأقدارِ قلبًا ناطقًا ، لسألتهُ: “ما بالُ موتِ أبيكْ؟”

ما بالُ حضنٍ كان أوسعَ موطنٍ ، ضاقَ الفضاءُ بفقدهِ، بيديْكْ

 

رحلتَ يا أبتي، ولكنْ في دمي ، صبرُ النخيلِ وطيبةُ النظراتِكْ

أنا في دعائي كلَّ فجرٍ ساجدٌ ، أرجو الإلهَ لواسعِ الجنّاتِكْ

 

نامَتْ جِراحي فوقَ ثوبِ غيابِكْ ، وصحا الحنينُ على جراحِ ثباتِكْ

أبي، سكنتكَ الحُروفُ، فكلُّما ، كتبتُ، كانتْ أوّلَ الكلماتِكْ

 

أبي، وأيُّ حروفِ شعري تُنصفُ الـ ، قلبَ الذي ما عادَ يحسنُ نُطْقَكْ؟

ما عادَ صوتُكَ في المدى يتردّدُ ، ما عادَ دفءُ يديكَ يُهدي شوقَكْ

 

أبي، كأنَّ الكونَ فارقَ لونهُ ، مذ غبتَ، والضحكاتُ صارتْ سُكونا

كأنَّنا عشنا الحياةَ يتامى ، حتى وإن كنّا بها مُطمئنينا

 

كلُّ الحكاياتِ التي قد قلتَها ، تُمطرُ على قلبي وتُشعلُ ناري

كم مرّةٍ همستْ ملامحُ صورتكْ ، في حضرةِ الأيّامِ مثلِ انتظاري

 

أبي، وهل ينسى اليتيمُ منامهُ؟ ، أم ينسى وجهًا ضمَّهُ قبلَ المنامِ؟

أنتَ الحقيقةُ لا تُوارى بالثرى ، أنتَ الجبينُ الطاهرُ المقدامِ

 

يا زهرةً نبتتْ على صدرِ الوجعْ ، يا نجمةً ما غابَ طيفُك عن سمائي

في كلّ نبضٍ أنتَ تسكنُ داخلي ، وتزيدُ حبًّا رغمَ صمتِ دعائي

 

دعني أراكَ الآنَ في حلمٍ قصيرْ ، أشتاقُ همسكَ، نظرةً، أو نظرتينْ

دعني أُعيدُ العمرَ نحو طفولتـي ، وأعودُ حضنكَ مثلما كنّا: اثنينْ

 

أهفو إليك، فكلُّ وقتي موحشٌ ، والذكرياتُ تجوبُ صالاتِ العمرِ

إنّي كسيرُ العُمرِ منذ فُقِدتَ يا ، من كنتَ ترفَعُني وتحمي من كَسري

 

يا من رحلتَ، وخلّفتَ بقلبيَ الـ ، نارَ التي ما عادَ يُطفئها سوى دُعائي

نمْ في سلامٍ، فإلهُك رحمةٌ ، وأمانُ روحكَ في الجِنانِ سَناي

 

يا من تركتَ العمرَ نصف حكايةٍ ، وذهبتَ وحدكَ دونَ أن تَروِي الأخيرْ

من بعدِ فقدكَ كلُّ شيءٍ باهتٌ ، والصمتُ صارَ بقلْبِنا صوتَ الكسيرْ

 

حتى الضياءُ إذا أتى متثاقلاً ، مرَّ الجمالُ عليهِ مثلَ الغائبِ

كلُّ الأمانِ رحلتَ عنهُ دفعةً ، يا من وجودُكَ كانَ ظلَّ الغالبِ

 

أبتي، أيا وطنًا على صدري سكنْ ، أشتاقُ أن أمشي إليك بلهفةٍ

أشتاقُ صوتكَ حين يُدعيني بلطفْ ، ويضُمّني في لحظةٍ مُتعبهْ خائفهْ

 

من لي إذا ضاقتْ دروبي بعدَها؟ ، من لي إذا خانَ الزمانُ ملامحي؟

من لي إذا نامَ الجميعُ ولم أجدْ ، غيرَ الحنينِ يُضمّدُ المُتناهِي؟

 

أبتي، تركتَ القلبَ بينَ عواصفٍ ، لا لُطفَ فيها.. لا حنانَ.. ولا يديكْ

وغدوتُ أنظرُ للسماءِ كأنني ، أرجو بها رؤياكَ بينَ دعائِكْ

 

اللهمَّ إنَّ أبي سكنَ الثرى ، فارحمهُ يا ربّي بعفوٍ دائمِ

واسكنْهُ فَسْحَ الجِنانِ بجنةٍ ، فيها النعيمُ وسرُّك المُتراحمِ

 

اغفرْ لهُ، وانظرْ إليهِ بلُطفِك الـ ، باقِي، وجازِهِ بالجنانِ النائمِ

وأسقِ قبرهُ نورًا من الفردوسِ، لا ، ظلمةَ فيهِ، ولا عذابَ القائمِ

 

اللهمّ إنّي قد فقدتُ سندي، ، فأجعلْ لهُ في الخُلدِ خيرَ مقامي

واجمعْني بهِ في جنةٍ لا تنتهي، ، فالقلبُ ما زالَ ينادي: “يا أبي.. سلامي.”