تسريب الروح
بقلم د. أمجد حسن الحاج
لم نعد نُنزف من جراحٍ مرئية، بل من شقوقٍ صامتة تتسلّل إلى الداخل ببطءٍ مُتقن. صار الوجع مهذّبًا، لا يصرخ، يتقدّم مثل فكرةٍ مُقنعة، يُطمئنك وهو يسلبك شيئًا فشيئًا. هكذا يُستبدل الدفء بالاعتياد، وتتحوّل الطمأنينة إلى جرعاتٍ مؤجَّلة لا تشفي، بل تُبقيك معلّقًا بين الحاجة والإنكار.
في زمنٍ يتقن صناعة الوهم، تُقاس الحياة بمؤشراتٍ لا قلب لها، وتُختزل المشاعر في إشاراتٍ سريعة لا تعرف الانتظار. نمدّ أيدينا طلبًا للقرب، فتعود مثقلةً بالفراغ. نبحث عن صوتٍ يشبهنا، فنجد صدىً متشابهًا لا يجيب. حتى الصمت لم يعد ملاذًا؛ صار مزدحمًا بضجيجٍ خفيّ يستهلك القدرة على الإصغاء للنفس.
الحزن هنا ليس لحظةً عابرة، بل إقامة طويلة. يتعلّم أسماءنا، ويحفظ عاداتنا، ويجلس معنا حين نضحك دون سبب. يعلّمنا كيف نؤجّل الألم إلى حين، ثم يفاجئنا في أكثر الأوقات ازدحامًا. لا نراه، لكننا نشعر بثقله وهو يُعيد ترتيب الداخل، يخلط الذاكرة بالانتظار، ويزرع شكًّا صغيرًا يكبر كلما تأخّر الأمل.
كم مرة ظننا أن الخلاص قريب، فإذا به يُعاد تدويره في صورة وعدٍ جديد؟ وكم مرة صدّقنا أن الامتلاء قادم، فإذا بنا نكتشف أن النقص صار نظامًا؟ تتآكل القدرة على الدهشة، وتبهت الأحلام، ويغدو الشغف عادةً مُجهدة، تُمارَس كي لا نُتَّهَم بالاستسلام.
ليس الحزن أن نفقد شيئًا، بل أن نفقد معنى الفقد. أن نعتاد الغياب حتى لا نعود نسأل عنه. أن نُدرِّب قلوبنا على التحمل بدل الحياة. نُقنع أنفسنا بأن هذا كافٍ، وأن البقية ترفٌ مؤجَّل، بينما الروح تُساوم على آخر ما تبقّى من صدقها.
ومع ذلك، يبقى في العمق ضوءٌ خجول، لا يعلن نفسه، لكنه يرفض الانطفاء. ضوءٌ يعرف أن الشفاء لا يأتي دفعةً واحدة، وأن النجاة ليست قفزة، بل قرارٌ صغير يتكرر. قرار أن نستعيد إنسانيتنا من بين العناوين اللامعة، وأن نمنح الوقت فرصةً ليكون وقتًا، لا أداة.
هذه ليست مرثيةً لزمنٍ مضى، بل اعترافٌ بوجعٍ حاضر، ودعوةٌ صامتة لأن نُعيد للروح حقّها في الامتلاء الحقيقي. فليس كل ما يُغذّي يُنقذ، وليس كل ما يَعدُ يُنصف. والشفاء، حين يأتي، لا يطلب تصفيقًا؛ يكتفي بأن نعود أنفسنا دون تسريب.






المزيد
القلم و الورقة بقلم عبدالرحمن غريب
شمس جديدة بقلم عبدالرحمن غريب
رمضان… ميزان القلب بقلم الكاتب هاني الميهى