بقلم: عمرو سمير شعيب
في العلاقات الإنسانية لا تُدار المشاعر دائمًا بعفوية كما نحب أن نتصوّر، بل كثيرًا ما تُدار وفق حساباتٍ خفية تشبه الاقتصاد غير المعلن، حيث يُمنح الاهتمام بجرعات، ويُسحب القرب بتوقيتٍ محسوب، وتُستخدم العاطفة أحيانًا كأداة تنظيم لا كتعبيرٍ صادق. الإنسان في صورته البسيطة يريد علاقةً يشعر فيها بالأمان والاستمرارية، لكن حين يدخل في علاقةٍ يختلّ فيها ميزان العطاء، يجد نفسه مع الوقت يتكيّف مع منطقٍ غير متكافئ دون أن يصرّح بذلك لنفسه، فيمنح أكثر مما يتلقّى، ويبرّر أكثر مما ينبغي، ويقلّص من احتياجاته كي يحافظ على الحد الأدنى من الاستقرار. هذه العملية لا تحدث فجأة، بل تتشكّل تدريجيًا، إذ يبدأ الأمر بتنازلٍ صغير يبدو منطقيًا، ثم يتبعه آخر بدافع التفهّم، ثم يصبح التفهّم ذاته التزامًا أخلاقيًا يفرضه الإنسان على نفسه حتى وهو يشعر بالاستنزاف. وهنا يتكوّن ما يمكن تسميته باقتصاد المشاعر المختل، حيث يتحوّل القرب إلى مكافأة غير مضمونة، ويصبح الرضا العاطفي نتيجةً لسلوكٍ محسوب أكثر منه تفاعلًا حرًا. المشكلة في هذا النوع من البنى العلائقية أنه يُعيد تشكيل صورة الذات ببطء، فالذي يعتاد أن يكون الطرف الذي يضبط إيقاع العلاقة، ويحتمل التقلّبات، ويمنح دون ضمان، يبدأ في رؤية احتياجاته كأمرٍ ثانوي، ويصبح الحفاظ على العلاقة أهم من الحفاظ على توازنه الداخلي. ومع مرور الوقت لا يعود السؤال: هل أنا مرتاح؟ بل: هل ما زال الآخر راضيًا؟ وبذلك ينتقل مركز الثقل من الذات إلى الخارج، ويُستثمر قدرٌ كبير من الطاقة النفسية في قراءة الإشارات الدقيقة ومحاولة تفادي ما قد يهدّد استمرار العلاقة. إن أخطر ما في هذا الاقتصاد غير العادل أنه لا يُشعر صاحبه بالخسارة فورًا، بل يمنحه بين حينٍ وآخر لحظاتٍ من الدفء تكفي لإعادة تشغيل الأمل، فيستمر الاستثمار رغم ضعف العائد، ويستمر الصبر رغم وضوح الاختلال. غير أن الوعي حين يتدخّل متأخرًا يكشف أن العلاقة التي تتطلب مراقبةً دائمة ليست مساحة أمان، وأن القرب الذي يُمنح بشروطٍ غير معلنة ليس قربًا حقيقيًا، وأن المشاعر التي تحتاج إلى إدارة مستمرة تفقد عفويتها التي تجعلها حيّة. عند هذه النقطة يبدأ الإنسان في إعادة تعريف العطاء، ليس بوصفه تضحيةً مفتوحة بلا حدود، بل بوصفه تبادلًا متوازنًا يحفظ كرامة الطرفين. ويتعلّم أن الاستقرار العاطفي لا يتحقق عبر تقليص الذات، بل عبر حضورها الكامل، وأن العلاقة التي تُبنى على خوف الفقد لا تمنح طمأنينة حقيقية مهما طالت. هكذا يتحوّل الإدراك من محاولة إنقاذ العلاقة بأي ثمن إلى محاولة إنقاذ الذات داخلها، ويصبح السؤال الأهم ليس كيف أُبقي الآخر، بل كيف أبقى أنا دون أن أستنزف نفسي.






المزيد
بين رحمة القلب وحذر العقل
متاهة البيانات: عندما يعصف التراخي بنظم التخطيط
شهر رمضان فرصة لتحكم فى المشاعر